ومن الناحية الفنِّيَّة التي نتعلمُها من هذه الصورة أنَّ فيها شخصيَّات رئيسة، مثل: "يوسف، ويعقوب، وإخْوة يوسف"، وشخصيَّات ثانويَّة، مثل: "العزيز، وامْرأته، والملك"، وشخصيَّات هامشيَّة، مثل: "الشاهد، والوارد، والفَتَيان، ونِسْوَة المدينة، وملأ الملك، والمؤذِّن"، وفي القصَّة ذِكْرٌ لبعض الحيوانات، مثل: "الذئب، والطَّيْر، والبقرات، والبعير"، وكذلك لبعض الأشياء، مثل: "الدلو، والسكين، والدراهم، والخمْر، والخُبْز، والسُّنبلات، والخزائن، والسقاية"، "والقميص الذي يردُ في ثلاثة مواضع لثلاثة قُمصان مختلفة؛ الأول: يلطَّخُ بالدمِ، والثاني: تمزِّقُه امرأةُ العزيز، والثالث: يحملُه البشيرُ"، وهناك ثلاث رؤًى لها تأثيرٌ قويٌّ على مُجْرَيَات الأمور؛ الأولى: رُؤْيَا يوسفَ في طفولته، والثانية: رُؤْيَا المسجونَيْن، والثالثة: رُؤْيَا الملِك، واستدعاء كلِّ هذه الشخوص والمخلوقات والأشياء في السرد هو عيْنُ ما يفعله الروائيُّون في كتاباتهم الآن، ويعتبرونها من أصول الرواية الجيدة التي يجبُ أنْ يلتزمَ بها الراوي.
كما نلاحظُ أنَّ الله - سبحانه وتعالى - وهو يقصُّ علينا هذه القصة يراعي تمامًا حاجة المتلقِّي أو القارئ إلى المعلومة بدِقَّة متناهية؛ فعندما تحدَّثَ عن المنحة العظيمة التي مَنَحَها يوسفَ عندما بلغَ أَشُدَّه؛ من عِلْمٍ وحِكْمة، قال: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف: 22].
لأن المتلقِّي يعلمُ أنَّ يوسفَ هو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، وأنه ربيبُ بيتِ نبوَّة مؤصَّلة، ومن ثَمَّ فإنَّ المتلقِّي لا يحتاجُ إلى تعريفه باستواء يوسفَ وتأهُّلِه لهذه المنحة، مع أنَّه - سبحانه وتعالى - عندما تحدَّثَ عن نفسِ المنحة حينما وَهَبَها لسيدنا موسى - عليه السلام - في موضعٍ آخرَ؛ قال - تعالى -: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ [القصص: 14]؛ لأنَّه - سبحانه - يعلمُ أنَّ المتلقِّي قد تُسَاوره بعضُ الحيرة؛ حيث إنَّ موسى تربَّى في بيت فرعون، ومن ثَمَّ فإنَّ كلمة (واستوى) التي زِيدتْ بالنسبة لموسى كانت في غاية الأهميَّة، ومناسِبَة جدًّا لمستوى المتلقِّي عند متابعته للقَصص القُرآني.
ولم تتوقفْ مسارُ الأحداث على السرْد فقط، بل نجدُ في جوانبَ عديدة من الحوار الذي يَدُور بين أطراف الحدثِ، فبداية القصة حوارٌ بين الأبِ وابنِه، ثم حوارٌ آخرُ بين إخوة يوسف وأبيهم، وحوارٌ ثالث بين السيارة الذين حملوا يوسفَ وباعوه وبَيْنَ واردِهم، وحوارٌ رابعٌ بيْنَ يوسفَ وامرأة العزيز، ثم بَيْنَ الملك والنسوة اللاتي قَطَّعْنَ أيديهُنَّ، وبَيْنَ يوسفَ والمسجونين، وهكذا نجدُ حواراتٍ عديدةً في مواضع مختلفة؛ ممَّا يُكْسِبُ القصةَ تشويقًا وأبعادًا لا تتوافر عند الاكتفاء بالسرْد.
والحركة عنصرٌ أساسيٌّ في هذه القصة، فهناك خمس رحلات؛ الأولى رحلة يوسفَ مع السيَّارة، والثانية رحلة إخوة يوسفَ إلى أرض مصر، والثالثة برفقتهم أَخُوهم حسب طلب يوسفَ، والرابعة تَحَسُّسًا لريحِ يوسفَ وأخيه، والخامسة جمْع الشَّمْلِ في مصر.
فالقصة تبدأُ في أرضِ كنعان، وتنتهي في أرض مصر على بُعْدِ مئات الأمْيَال؛ مما يَعْني اتِّساع رُقْعة الأحداث، كما أنَّ المرحلة الزمنيَّة للقصة هي عشرات السنين، تبدأُ بطفولة يوسفَ وتنتهي بكهولته، مرورًا بسنوات في بيت العزيز، وأخرى في السجن، وأخرى في قصر الملِك، وفي القصة حديثٌ عن الزراعة والتجارة والرعي، والصناعة والرياضة، ورغبات الجسد، والإخْلاص والوفاء، والإيمان والتأْويل، والحزْن والفرح واليأْس، والمرضِ والشفاء، مع إشارات إلى الكَيْد وغيابة الجُبِّ والسجن، والبداوة والعلم الإلهي، ونلاحظُ أنَّ بَطَلَ القصة لا يتكلم إلا للضرورة وحسب ما يقتضي الموقف فقط، فعندما يتعرَّض يوسف لكَيْد امرأة العزيز، يقول في مَعْرِضِ الدفاع عن النفس وكأنه مضطر لذلك: ﴿ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ﴾ [يوسف: 26] ولم يَزدْ على ذلك، مع أنه بريءٌ، ورغم أنَّ الجانية قالت جملة طويلة نسبيًّا: ﴿ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [يوسف: 25]، وأيضًا الشاهد استَطرَد قليلاً في كلامه قائلاً: ﴿ إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ [يوسف: 26، 27]، وهذا التكثيف البليغُ يفتقدُه أغلبُ كُتَّاب القصة أو الرواية الذين يستطردون في الحوارات بين أبطالِ القصة دون داعٍ، وكذلك فإنَّ هذا التكثيفَ نجده سمةً من سمات كلِّ أحاديث بطلِ القصة (يوسف) على مدار الأحداث كلِّها من أوَّلِها إلى آخرها.
ومع أنَّ هذه الآيات – تحديدًا - قد تعرَّضت لقضية شائكة جدًّا في هذا الموْضع بالذات، إلا أنَّ أسلوب التناول والعَرْض والحوار يُعْتبرُ دَرْسًا بليغًا لأولئك الذين يداعبون الغرائزَ الإنسانيَّة بحجَّة الواقعيَّة، فالقصة هنا تعالجُ مشكلة علاقة محرَّمة أرادتها امرأةٌ، حاولت تنفيذَها رغم تعفُّف الرجلِ، ومع ذلك لا نجدُ ما يخدشُ الحياءَ، ليس لأنه كلامُ الله - سبحانه وتعالى - فقط، ولكن لأنَّ الله يريدُ أن يعلمَنا كيفيةَ تناول الأمورِ المعقَّدة في مِثْلِ هذه المسائلِ دون إسفافٍ.
ومن ألوان البديع والبلاغة والفصاحة والبيان تجدُ كلَّ ألوان المجازِ والتشبيه، والاستعارة والكناية، والتعريض والإيجاز والتكثيف، والإشارة والاستفهام والاستدراك؛ ولذلك ومع أنَّ القصةَ جاءت في حوالي عشرين صفحة من صفحات المصحف الشريف، إلاَّ أن تفْصيلَ هذه القصة يحتاجُ إلى مئات الصفحات لمن يريد شرحَها، وهذا وجهٌ من وجوه الإعجاز والتحدِّي، فأين الذين يملؤون الدنيا ضجيجًا بقولهم: "نحن في عصْر الرواية"؟! وأين الذين يتطاولون في كتاباتهم على الله - سبحانه وتعالى - وعلى رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وعلى الثوابت الإسلاميَّة والرموز الدينيَّة بزعْمِ الإبْداع وحُريَّته؟! وأين دُعاة العاميَّة الذين يتطاولون على لغةِ القرآن الكريم؟! بل أين دُعاة الحَدَاثة الذين يريدون التحلُّلَ من كلِّ الموروث، ويحسبون أنهم أفصحُ بيانًا من السابقين الأوَّلين؟! إنَّ التحدِّي الربَّاني ما زال قائمًا؛ ﴿ للهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ﴾ [الرُّوم: 4].