الموضوع: الترف
عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : [ 5  ]
قديم 2006-04-12, 4:50 PM
يمامة الوادي
عضو متميز بالمنتدى
الصورة الرمزية يمامة الوادي
رقم العضوية : 7644
تاريخ التسجيل : 19 - 6 - 2005
عدد المشاركات : 43,494

غير متواجد
 
افتراضي
ب- توجيهات عامة للمترف يمكنه القيام بها:
* معرفة أن الترف مما لا يليق بالدعاة، وأن اللائق بهم هو إيثار العمل بدين الله والدعوة إليه والذود عنه؛ لأن ما عند الله خير وأبقى، ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه؛ قال الله (تعالى) في الحديث القدسي: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر(47)، وقال ابن القيم (رحمه الله): قال لي شيخ الإسلام ـ في شيء من المباح ـ: هذا ينافـي الـمراتب العالية، وإن لم يكن تركه شرطاً في النجاة، ثم يقول: فالعارف يترك كثيراً من المباح إبقاءً على صيانته ولاسيما إذا كان ذلك المباح برزخاً بين الحلال والحرام(48)، وقال (رحمـه الله) فـي الفوائد: من أراد صفاء قلبه فليؤثر الله على شهوته(49).

* على المترف أن ينظر في حوادث الزمان ونوائب الليالي والأيام، وأنه إن كان غنياً اليوم فقد يكون فقيراً غداً، وبالتالي: فإنه إن لم يردع نفسه في غناه واغتر بحاله فقد تزول دنياه فـجـأة ويتحـول غناه فقراً وعزه ذلاً، وعندها تضيق به الأرض بما رحبت وتسوء عاقبته، ولله در الشاعر حين قال:
إذا تم أمر بدا نقصـه **** توقع زوالاً إذا قيل تم
فالعاقل يعد نفسه لتقلب الأحوال وتبدل الأزمان.
* على المترف أن ينظر في مدى الخسارة التي يجنيها نتيجة الاشتغال بمظاهر الترف، ومن تلك الخسائر على سبيل المثال: ذهاب أمواله سدى، وكون الوقت الذي يفنى في ذلك غير نافع له في الآخرة مع أنه يدنو بصاحبه من الآخرة، وضعف محبة العبد لربه لأن اشتغاله بمـلـذات الـدنـيــا وشهواتها يؤدي به إلى حبها حباً يصد عن الطاعة، ومثل ذلك مُضعف لحب العبد لربه، قال ابن القيم (رحمه الله): لا تدخل محبة الله في قلب فيه حب الدنيا إلا كما يدخل الجمل في سم الإبرة (50).

* على المترف أن يدرك أن حصوله على وسائل الترف ومغريات الحياة وشهواتها ليس من أسباب تحصيل السـعـادة، والـواقـــع خير شاهد على ذلك، فكم من رجل بلغ الغاية في الاستمتاع بزهرة الحياة ومتعها، ومع ذلك نجده كثير الخوف والهموم، شارد البال، بل إن الأمر قد يصل به إلى قتل النفس والانـتـحـار، وكم من رجل مع فقره وصعوبة معيشته نجده في سعادة وهناء وانشراح صدر، قال الحسن: أهينوا الدنيا، فوالله ما هي لأحد بأهنأ منها لمن هانها(51)، وقال الشاعر:

ولست أرى السعادة جمع مال *** ولكن الـتـقـي هو الـسـعـيد
* الحذر من تقليد البيئة التي يعيش فيها في كل شيء، والتنبه لعدم أخذ التصورات والقيم إلا من طريق الإســلام، لأن من أبرز أسباب الترف -كما سبق - حب التقليد للمترفين في المجتمع وإرادة مباهاتهم وحب البروز والتعالي عليهم نتيجة رفع كثير من المجتمعات من شأن الدنيا وزخرفـهــا، وتحويل ذلك إلى غاية وقيمة بعد أن كان وسيلة وزينة، والطريق لتجاوز ذلك وتلافيه: تعـويــد الإنـســـان نفسه الرجوع إلى نصوص الكتاب والسنة لمعرفة حكمها في الشيء المراد فعله قبل مباشـــرة ذلك، وعندما يطبق المرء ذلك ستتضح له القيم والسلوكيات المخالفة لـتعاليـم الإسـلام في المجتمـع - ومنها الترف والتباهي به - فيسعى إلى الحذر منها وتجنبها.

* لابد للعبد من إشغال نفسه بما يعود عليه نفعه في الآخرة، وذلك لأن النفس إذا رباها صاحبها على جعل ذلك هدفاً، تترتب الأولويات لديها فتقدم الأنفع على النافع والنافع على ما ليس فيه نفع، وحين تفعل النفس ذلك فإنها ستتعالى عن التعلق بمتع الحياة؛ قال سليمان الداراني: لا يصبر عن شهوات الـدنـيــا إلا مــن كــان فـي قـلـبـه مــا يشغله عن الآخرة(52)، وقال مالك بن دينار: بقدر ما تخزن للآخرة يخرج هم الدنيا من قلبك(53).
* التأمل في تبعات الترف في الآخرة، وتخيل العبد وقوفه بين يدي الله (تعالى)، والأسئلة التي ستوجه إليه في ذلك الموقف عن النعيم الذي يتقلب بين جنباته في هذه الدنيا دافع له إلى ترك الترف، ولذا: ذكّر النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته بذلك فقال: لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه وعن علمه ما فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه(54)، ولقد كان هذا التأمل من أكبر الأسـبـاب الـتـي دفـعـت بعـض السلف إلى التقلل من الدنيا وملذاتها؛ قال طاووس: حلو الدنيا مـر الآخـرة، ومر الدنـيـــا حلو الآخـرة(55) وكان الأسود يقول: من كانت الدنيا أكبر همه، طال غداً في القيامة غمه(56).