الفاجعة !!!
لم يكن انتقالنا مع بداية الإجازة إلى مسكن جديد أمراً عادياً.. بل كان حدثاً مؤثراً في عائلة مكونة من أبٍ وأمٍ وثلاثُ بنات.
لقد اتسع المكان.. وأصبح أبي، وأمي يُقيمان في جناح كامل.. وانفردتُ عن أُختي بغرفة مستقلة.
قالت والدتي محادثة أبي وهي فرحة مستبشرة: سندعو جميع معارفنا. الآن فقدت يا زوجي العزيز جميع الأعذار السابقة.. ها هو مجلس الضيوف كبير، وذاك مجلس النساء مؤثث بأجمل أنواع الأثاث.. وستقضي أنت وأصحابُك أسعد الأمسيات في هذه الحديقة الواسعة.
ردد أبي بفرح عبارات الاستقبال وكأن الضيوف قادمون.. ثم أردف بسرعة وبدا أنه يتذكر شيئاً ما.
قال: الآن مع بداية تقاعدي عن العمل.. سنملأ منزلنا بهجة وسروراً.. وأنساً وحبوراً.
سيكون يا زوجتي مُلتقى الأحبة والأصحاب هنا.. ثم التفت إلى الجميع وهو يقول – وابتسامة جميلة تزين محياه - : آن لي الآن أن أستريح بعد مشوار العمل الطويل.. أربعون سنة خدمتُ فيها في مجال عملي..
قال وهو يحكي جُهده ويحصدُ زرعه: أحمد الله الذي أنعم علي بنعم كثيرة.. هذا أخوكم الأكبر مُدرس في الجامعة، والأصغر يواصل دراسته العليا في الخارج، وأنتن على أبواب التخرج – الحمد لله – قرت عيني بكم جميعاً فقد جمعتم بين العلم والأدب.. واسترجع الذكريات.. والتي تُحثه على التذكر.
استند إلى كرسي وسط الحديقة ومد قدميه وقال: الحديث طويل.. إنه حديث أربعين سنة!! وارتسمت على محياه مُتعة ظاهرة وهو يسترجع الماضي ويُعدد سنوات عمره.. سنة.. سنة!! وأين قضاها ومن هم زملاؤه في العمل.. ثم التفت إلى والدتي – بعينين ضاحكتين – وأعاد قصة زواجهما منذ بداية خطبتهما.. ونحن نستمع ونضحك ووالدتي تعلق بكلمة أو سؤال.. ثم تتبعها ضحكة حيية!
سعادة لا حدود لها ترفرف على منزلنا.. يُجملها محبة والدي لحديثنا ولطفه معنا وتلبية حاجاتنا.
قضينا أشهر الصيف في المنزل الجديد وكأننا في عالم آخر.. وكانت الأيام تسير حلوة جميلة، خاصة مع الساعات الطوال التي كنا نجلس فيها سوياً نتجاذب أطراف الحديث.
مع بداية العام الدراسي ظهرت حاجتنا إلى خادمة. فالمنزل واسع ووالدتي تحتاج إلى من يعينها على أعمال المنزل الكثرة والمتتالية.. فكان أن لبى والدي طلب الجميع لاستقدام خادمة بعد تردد وخوف.. واشترط استقدام زوجها معها وقال: لا تهم زيادة التكاليف.. أنتن أهم عندي من أموال الدنيا كلها! بل أنتن زهرة الدنيا وجمالها!
كان المنزل يحوي ملحقاً صغيراً يقع في زاوية الحديقة الأمامية أجرينا فيه بعض التعديلات وأصبح ملائماً لاستقبال السائق والخادمة.. ونبه والدي على الجميع بعدم الذهاب مع السائق إلا عند الحاجة ومع زوجته حتى تكون محرماً له.. وأعاد وكرر التنبيه ليُسمع الجميع.. وحرك أصبعه وكأنه يتهدد ويتوعد من يخالف الأمر أطرقنا الرؤوس استجابة وقبولاً.
أزفت بداية العام الدراسي.. وانتقلت أختي الكبرى إلى السنة الرابعة الجامعية، وأختي الوسطى إلى السنة الثالثة الجامعية.. وانتقلتُ أنا إلى السنة الأولى الجامعية.
كان حُلماً يراودني، وكانت أمنية طالما هفت إليها نفسي.. ولا يعادل فرحتي بمنزلنا وغرفتي إلا اتساع المباني الجامعية وسعة قاعات المحاضرات وبهاء وجمال الحدائق وتنسيقها.
فرحتُ بالجو الجامعي الجديد، وكان أن واجهتني ثلاث عقبات مع بداية المرحلة الجامعية: الأولى: نظام الساعات وترتيب المحاضرات ومعرفة مكانها.. والأمر الثاني: التعود على الجو الدراسي الجامعي..
أما الأمر الثالث: فهو تفرق رفيقات الصبا وزميلات المرحلة الثانوية التي أعتبرها من أجمل أيام حياتي وأكثرها سعادة ومرحاً.
بدأتُ الدراسة في القسم الذي اختارته وتحمست له أختي الكبرى، ولكنني مع مرور الأسبوع الأول أحسست بعدم رغبتي في هذا التخصص.. بل وكرهي له.. عندها قررت الانتقال إلى قسم آخر.. وكان هذا القرار نقطة تحول في حياتي أيضاً.
مع هذا التحول فقدت من تعرفت عليهن في القسم الأول وبدا من الصعوبة بقائي وحدي أثناء الفراغ بين المحاضرات.. فكنت أهرب لأسلم وأحادث زميلات القسم الأول.. ولكن لم تطل غربتي في هذا القسم الجديد سوى أيام قليلة.. حتى بدأت ضحكاتنا تتعالى ومعرفتنا ببعضنا تزداد.. وعندها بدأت أنسى زميلاتي السابقات.. بل وزميلات المرحلة الثانوية حتى باعدت بيننا الأيام وطواهن النسيان.
كان الجو العام مع الزميلات مرحاً دون ضابط وكنت أسمع النكات والتعليقات لأول مرة.. وبسرعة عجيبة تأقلمنا مع بعض، فأصبحنا نوآنس بعضنا بل ونشكو لبعضنا البعض.
أما الشوق وحديث الهاتف وكشف خبايا النفس فإنه ديدن تلك الصحبة.. بل هو ملحها وجمالها.. وفجأة.. وقع ما لم يكن في الحسبان.
في هذا الجو الجميل والحلم الأبيض عثرت قدمي.. والتهبت عواطفي.. صداع لازم فكري منذ أن رأيت ذلك الشاب لأول مرة.
شاب يحمل صفات الأدب والخُلق.. فها هو منذ شهر وهو بصعوبة وحياء يرفع عينيه نحوي.. بدأ قلبي يضطرب عند خروجي من الجامعة وأصبحت عيني تهفو لرؤيته.. إنه فارس أحلامي!!
حيناً في سكون الليل أتأمل وأستشعر الموقف وأراجع نفسي.. وصوت في أعماقي يُردد: لا تفعلي.. لا تتقدمي! يا بنية احذري.. انتبهي! إياك وهذا الطريق!!
ولكن أسرني بأدبه وملكني بحسن تصرفه! لازلت أتذكر المرة الأولى التي رأيته فيها وكانت سيارته بجانب سيارتنا.. ولكن للطفه وحسن أدبه انتحى جانباً وأفسح لنا الطريق.. لم يُصوب نحوي عيناً ولم يتفوه بكلمة مثل بعض الشباب.. ما أجمل خلقه وما أنبل فعله!!
بدأتُ أسارع بالخروج من نهاية المحاضرة الأخيرة، وأجري في الساحة وأنا أحمل قلبي المضطرب لكي ألقي نظرة عليه.. ربما يمر يومان أو ثلاثة لا أراه.. فتتغير مشاعري ويسرح فكري.
ولكن أزال ذلك كله ما عطر سمعي من كلمة سمعته يلقيها إلي وهو بجوار سيارته ويفسح لي الطريق بقوله: تفضلي!!
بقيت نبرة صوته ترن في أذني حتى خالطت شغاف قلبي وسرت في دمي.. (( تفضلي )).. بتلك النبرات الحنونة فتح لي عالم السعادة وأبواب المحبة.. لازلت أتودد وأتقرب إلى عقلي بمحبته لحسن خلقه وأدبه فقط!!
وأخادع نفسي.. ماذا تؤثر نظرة؟ وإلى أين تؤدي كلمة؟! وهل أنا ضعيفة إلى هذه الدرجة؟! أين الثقة في النفس؟!
ثم تأخذني العزة والكبرياء التي ينفخ فيها الشيطان من روحه.. فأقول: وهل أنا قشة في مهب الريح ليعبث بي؟! وهل أنا ساذجة لأكون فريسة جاهزة؟ ويُجيب الشيطان نيابة عني: أنا امرأة ناضجة.. أنا فتاة متعلمة.. أميز وأعرف مصلحتي.. لا خوف علي.
سارت الأيام سريعة حتى رأيتُ بأم عيني تبسمه عندما رآني.. فكان أن عاجلت عيني بالهروب من عينه.. ولكن قلبي زاد خفقانه وارتعشت مفاصلي وسرى في دمي حديث النفس.. ما أجمل الابتسامة!! مع دخول فصل الشتاء. وفي يوم غائم بدأ رذاذ المطر يداعب المارة.. فهذا يهرب بسرعة وذاك يتقي قطرات المطر بيده.
في ذلك اليوم الذي لن أنساه طول حياتي.. ألقى إلي بهمسة حانية وكلمة دافئة.. واقترب من نافذة السيارة ثم وضع ورقة صغيرة اخترقت المسافات بيننا لتصل إلى يدي!!
سارعت لإخفائها.. بل والتلهف إلى ما فيها.. فإذا برقم هاتفه.. تسللت تلك الورقة مع أطرافي المرتعشة لتلامس مشاعري وأحاسيسي!!
وعندما هويت على سرير غرفتي.. تناولت الورقة وقرأت ما بها مرة وثانية وثالثة.
بكيت بحرقة وندم.. كيف أفعل هذا؟ وهل يُرضي الله عز وجل ذلك؟ وغداً كيف حُوسبت على كل خطرة وهفوة.. كيف إذا وسدت في القبر.. كيف أقود نفسي إلى الهاوية.. وأبي.. وأمي.. وعائلتي.. ومستقبلي.. عندها ضج الكون في أذني.
وسقطت دمعات إيمانية لتروي ظمأي وحاجتي إلى التوبة والعودة والرجوع والأوبة، وحدثت نفسي وأنا أمسح آخر دمعة: إلى هذا الحد يكفي.. وتوبي قبل أن تندمي.