6- أقوال السَّلف في الكِبر:
وعن أبي سلمةَ بن عبدالرحمن بن عوْف قال: "الْتقَى عبدالله بن عمر، وعبدالله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهم - على المروة، فتحدَّثَا، ثم مضَى عبدالله بن عمرو، وبقي عبدالله بن عمر يبكي، فقال له رجل: ما يبكيك يا أبا عبدالرحمن؟ قال: هذا؛ يعني: عبدالله بن عمرو، زعَم أنه سمِعَ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((مَن كان في قلْبِه مثقالُ حبَّة مِن خرْدل مِن كِبْر، كبَّه الله على وجْهِه في النار))؛ رواه أحمد (2/215)، وحسنه الشيخ الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (2909).
وعن طارق قال: "خرَج عمر - رضي الله عنه - إلى الشام ومعنا أبو عبيدة، فأتَوْا على مخاضةٍ وعمرُ على ناقةٍ له، فنزل وخلَع خُفَّيْه فوضعهما على عاتقه، وأخذ بزِمام ناقته فخاض، فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين، أنت تفعل هذا؟! ما يسرُّني أنَّ أهل البلد استشْرَفوك، فقال: أَوَّه! ولو يقلْ ذا غيرُك أبا عبيدة، جعلتُه نَكالاً لأمَّة محمَّد، إنَّا كنَّا أذلَّ قوم، فأعزَّنا الله بالإسلام، فمهما نطلُب العِزَّ بغيْر ما أعزَّنا الله به أذلَّنا الله"؛ رواه الحاكم (1/130)، وقال: صحيح على شرطهما، وصحَّحه الألباني في "الصحيحة" (51).
وجاء في "نزهة الفضلاء في تهذيب سير أعلام النبلاء" (ص657): "سُئِل ابن المبارك: ما الكِبْر؟ قال: أنْ تزدريَ الناس، فسألتُه عن العُجْب؟ قال: أنْ ترَى أنَّ عندك شيئًا ليس عندَ غيرك، لا أعلم في المصلِّين شيئًا شرًّا من العُجب".
وفي (ص: 411): "عن محمَّد بن عليٍّ، قال: ما دخَل على امرئ مِنَ الكِبْر شيءٌ إلا نقَص مِن عقله مقدارُ ذلك".
وفي (ص: 339): "عنِ الأحنف بن قيس: عجبتُ لمَن يجري في مجرَى البول مرَّتين كيْف يتكبَّر؟!".
وفي (ص: 433): "رأى مُطرِّفُ بن الشِّخِّير يَزيدَ بن المهلب يسْحَب حُلَّته، فقال له: إنَّ هذه مِشيةٌ يبغضها الله، قال: أوَ ما تعرفني؟ قال: بلى، أوَّلُك نُطفة مذرة، وآخِرُك جِيفة قذرة، وأنت بيْن ذلك تحمل العذرة".
وفي (ص: 477): "مرَّ المهلب على مالكِ بن دِينار متبخترًا، فقال: أمَا علمت أنها مِشيةٌ يَكْرهها الله إلا بيْن الصفَّيْن؟ فقال المهلب: أمَا تعرفني؟ قال: بلى، أوَّلك نُطْفة مذرة، وآخِرتُك جيفة قذرة، وأنت فيما بيْن ذلك تحمِل العذرة، فانْكَسر، وقال: الآن عرفتني حقَّ المعرفة".
وفي (ص: 605): "قال أيوب العطَّار: سمعتُ بشر بن الحارث - رحمه الله - يقول: حدَّثَنا، ثم قال: أستغفِرُ الله، إنَّ لذِكْر الإسناد في القلْبِ خيلاءً".
وفي (ص: 878): "قال ابن يونس: لم يكن عندَنا بحمد الله كما قال النسائي، ولم يكن له آفةٌ غير الكِبْر"؛ يعني بذلك أحمدَ بن صالح".
وفي (ص: 1160): قال منذر بن سعيد البلوطي - وكان خطيبا مفوَّهًا، وخطَب يومًا فأعجبتْه نفسه، فقال: حتَّى متى أعِظ ولا أتَّعِظ، وأزْجُر ولا أزْدَجِر، أدلُّ على الطريق المستدلِّين، وأبْقى مقيمًا مع الحائرين، كلاَّ، إنَّ هذا لهو البلاءُ المبين، اللهمَّ فرغِّبْني لما خلقتني له، ولا تُشغلني بما تكلفتَ لي به".
وفي "مختصر منهاج القاصدين" (ص: 271): "قال سفيان بن عُيَيْنة: مَن كانت معصيتُه في شهوة، فأرجو له التوبة، فإنَّ آدم - عليه السلام - عصَى مشتهيًا فغُفِر له، فإذا كانتْ معصيتُه من كِبْر، فأخْشَى عليه اللَّعْنة، فإنَّ إبليس عصَى مستكبرًا فلُعِن"؛ ا.هـ.
وفي "أدب الدنيا والدين"؛ للماوردي (246 - 247 -252) بتصرُّف يسير: "وقد وصَف بعض الشعراء الإنسان فقال:
يَا مُظْهِرَ الْكِبْرِ إعْجَابًا بِصُورَتِهِ
انْظُرْ خَلاَكَ فَإِنَّ النَّتْنَ تَثْرِيبُ لَوْ فَكَّرَ النَّاسُ فِيمَا فِي بُطُونِهِمُ
مَا اسْتَشْعَرَ الْكِبْرَ شُبَّانٌ وَلاَ شِيبُ هَلْ فِي ابْنِ آدَمَ مِثْلُ الرَّأْسِ مَكْرُمَةً
وَهْوَ بِخَمْسٍ مِنْ الْأَقْذَارِ مَضْرُوبُ أَنْفٌ يَسِيلُ وَأُذْنٌ رِيحُهَا سَهِكٌ
وَالْعَيْنُ مُرْفَضَّةٌ وَالثَّغْرُ مَلْعُوبُ يَا ابْنَ التُّرَابِ وَمَأْكُولَ التُّرَابِ غَدًا
أَقْصِرْ فَإِنَّكَ مَأْكُولٌ وَمَشْرُوبُ
وقال محمَّدُ بن علي: لا يَنبغي للشريف أن يرَى شيئًا من الدنيا لنفسه خطيرًا، فيكون بها نابهًا.
وقال ابن السمَّاك لعيسى بن موسى: تواضعُك في شرفِك أشرفُ لك من شرفِك.
رُوي عن عمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه -: أنَّه نادَى: الصلاة جامعة، فلمَّا اجتمع الناس صعِد المنبر، فحمِد الله وأثْنى عليه، وصلَّى على نبيِّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - ثم قال: "أيُّها الناس، لقد رأيتُني أرْعى على خالاتٍ لي من بني مخزوم، فيقبض لي القبضة مِنَ التمر والزبيب، فأظلُّ اليوم وأيَّ يوم".
فقال له عبدالرحمن بن عوف: والله يا أمير المؤمنين، ما زدتَ على أن قصرتَ بنفسك! فقال عمر - رضي الله عنه -: ويْحَك يا ابن عوف! إني خلوتُ فحدَّثَتْني نفسي، فقالت: أنت أميرُ المؤمنين، فمَن ذا أفضلُ منك، فأردتُ أن أعرِّفها نفسها.
وقال بعضُ الحُكماء: مَن رضِي أن يُمدَح بما ليس فيه، فقد أمكن الساخِرَ منه.
وقال بعضُ الحُكماء: مَن برِئ من ثلاث، نال ثلاثًا: مَن برِئ من السَّرَف نال العِز، ومَن برِئ من البُخل نال الشَّرف، ومَن بَرِئ من الكِبْر نال الكرامة.
وقال مُصعَب بن الزبير: التواضُعُ مصايدُ الشَّرف.
وقيل في منثور الحِكم: مَن دام تواضعُه كثُر صديقه.
وقد قال بعضُ الحكماء: في تقلُّب الأحوال تُعرَف جواهرُ الرِّجال.
وقال الفَضْل بن سَهْل: مَن كانتْ ولايته فوقَ قدره تَكبَّر لها، ومَن كانت ولايته دون قدره تواضَع لها.
وقال بعضُ البُلغاء: الناس في الولاية رجلان: رجلٌ يُجِلُّ العمل بفَضْله ومروءته، ورجل يجلُّ بالعمل لنَقْصه ودناءته، فمَن جلَّ عن عمله ازداد به تواضعًا وبِشرًا، ومَن جلَّ عنه عملُه ازداد به تجبُّرًا وتكبُّرًا"؛ ا.هـ.
7- أسباب الكبر والعلاج:
إن من أسباب الكبر:
♦ الجهْل بالله، وعلاجه: إعْمارُ القلْب بالله، وأنَّ الله على كلِّ شيء قدير، يُعِزُّ مَن يشاء، ويُذلُّ مَن يشاء، وهو على كل شيء قدير.
♦ اغترار الإنسان بماله وجاهِه وقوَّته، وعلاجه: الإيمانُ يقينًا بأنَّ المال يفنَى، والجسم يَبلَى، والدنيا إلى زوال.
♦ طُغيان الطاعة، وعلاجه: أنْ يعلمَ أنَّ العِلم إمَّا حُجَّة له أو عليه، وأنَّ العمل قنطرةٌ إمَّا للجَنَّة، وإمَّا للنار، وأنَّ السعيد مَن جُنِّب الفتن، وأنَّ التوفيق توفيقُ الله، وأنَّ القلوب بيْن أصبعين من أصابعِ الرحمن.
♦ التفاخُر بالأنساب، وعلاجه: أن يعلمَ أنَّ مَنْ أبْطأ به عملُه فلن يُسرعَ به نسَبُه.
♦ الإعجاب بالجمال، وعِلاجه: أنَّ الجمال جمالُ الرُّوح، وأنَّه لا خيرَ في جمالٍ مصيرُه إلى النار.
وختامًا:
نسأل الله أن يُعيذَنا مِن شرِّ الكِبر، ونبرأ إلى الله منه ومِن أهله، ونسأل الله أن يَبعثَنا في زُمرة خير المتواضعين، سيِّدنا محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - وعلى آله وصحبه أجمعين.