فهل تقوم للمرابي قائمة بعد ذلك؟
إنما الزكاة تنفعُ المزكِّي - بإذن الله - قبل أن يصلَ نفعُها إلى الفقير أو المسكين، يستفيد منها المتصدِّقُ قبل الفقير، كيف؟ تطهِّره من البُخْل، وتطهِّره من الشُّحِّ، وتطهِّره من الأنانية ومن الدونيَّة، هذه أمراضٌ فتَّاكة مدمِّرة لأصحابها في الدنيا والآخرة، أنْ يأكلَ مِلْءَ بطنِه، وينام مِلْء جَفْنه، ويضحك مِلْء سِنِّه، وغيره من إخوانه المسلمين - الفقراء والمساكين - لا يجدون قوتَ يومِهم، أو غطاء أجسادهم، أو أيَّ شيءٍ يضحكهم أو يُسْعدهم؛ ((لا يؤمنُ مَن باتَ شبعان، وجارُه جائعٌ إلى جانبه)).
وما افتقرَ فقيرٌ في الأُمة إلا ببُخْلِ غنيٍّ، ولو التزمَ الجميع بتعاليم الإسلام، ما وُجِدَ فقيرٌ على ظهْر الأرض، ولتغيَّرَ حالُنا إلى الأحسن وإلى الأفضل، وسنحيا في الأرض مستبشرين برحمات الله - سبحانه وتعالى.
النهوض بالفقراء خاصة في رمضان:
ثبتَ في الصحيحين عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجودَ الناس، وكان أجودَ ما يكونُ في رمضان حين يلقاهُ جبريلُ، فإذا لَقِيَه جبريل - عليه السلام - كان أجودَ بالخير من الريح المرسَلة"؛ رواه البخاري، وأحمد، وزاد: "لا يُسألُ عن شيءٍ إلا أعطاه"؛ رواه أحمد، قال ابن حجر: "أجودَ الناس"؛ أي: أكثر الناس جودًا، والجود: الكرم وهو من الصفات المحمودة، وقولُه: "أجودَ بالخير من الريح المرسَلة"؛ أي: المطلقة، يَعني في الإسراع بالجود أسرع مِن الريح، وعبَّر بالمرسَلة إشارة إلى دوام هبوبِها بالرحمة، قال بعضهم: فُضِّلَ جودُه على جود الناس، ثم فُضِّلَ جودُه في رمضان على جُودِه في غيره، ثم فُضِّلَ جودُه في ليالي رمضان وعند لقاء جبريل على جُوده في سائر أوقات رمضان، ثم شُبِّه بالريح المرسَلة في التعميم والسرعة؛ قال ابن الملك مُعَلِّلاً: لأن الوقت إذا كان أشرفَ، يكون الجودُ فيه أفضل؛ يقول ابن عمر - رضي الله عنه -: ما رأيتُ أجودَ ولا أمجدَ مِن رسول الله - صلى الله عليه وسلم.
هذا حال نبيِّك مع الإنفاق في رمضان، وهو القدوة والأسوة؛ فكيف حالُك أنت؟
قال الشافعيُّ - رحمه الله - أُحِبُّ للرجل الزيادةَ بالجود في رمضان؛ اقتداءً برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم، ولتشاغُلِ كثيرٍ منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم.
إنَّ شهرَ رمضانَ موسمُ المتصدقين، وفرصةٌ سانحة للباذلين والمعْطِين، وإن الصيام يدعو إلى إطعام الجائع، وإعطاء المسكين، وإتْحاف الفقير.
اللهُ أَعْطَاكَ فابْذُلْ مِنْ عَطِيَّتِهِ
فَالْمَالُ عَارِيةٌ وَالْعُمْرُ رَحَّالُ
الْمَالُ كَالْمَاءِ إنْ تُحْبَسْ سَوَاقِيهِ
يَأْسَنْ وَإِنْ يَجْرِ يَعْذُبْ مِنْهُ سَلْسَالُ
يقول ابن رجب في "لطائف المعارف": وفي تضاعُف جُودِه - صلى الله عليه وسلم - في رمضان بخصوصه فوائدُ كثيرةٌ؛ منها:
♦ شرف الزمان ومضاعفةُ أجْر العمل فيه؛ وفي الترمذي عن أنس مرفوعًا: ((أفضلُ الصدقةِ صدقةُ رمضانَ)).
♦ إعانةُ الصائمين والذاكرين على طاعتهم، فيستوجبُ المعينُ لهم مثْل أجورهم، كما أن من جَهَّز غازيًا، فقدْ غزا، ومَن خلفَه في أهله بخيرٍ، فقد غزا.
♦ أنَّ الجمع بين الصيام والصدقة من موجبات الجنة؛ كما في حديث عبدالله بن عمرو - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إن في الجنة غُرفًا يُرى ظاهرُها من باطنها، وباطنُها من ظاهرِها، فقال أبو موسى الأشعري: لمن هي يا رسول الله؟ قال: لمن طَيَّبَ الكلامَ، وأطعمَ الطعامَ، وأدامَ الصيامَ، وصلَّى بالليلِ والناسُ نيام))؛ رواه أحمد.
وهذه الخصالُ كلُّها تكونُ في رمضان، فيجتمع فيه للمؤمن الصيام، والقيام، والصدقة، وطِيب الكلام، فإن الصائمَ يُنْهَى فيه عن اللغو والرفَث.
♦ الصلاة والصيام والصدقة توصلُ صاحبَها إلى الله - عز وجل - كما جاء في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((مَن أصبحَ منكم اليوم صائمًا؟))، قال أبو بكرٍ: أنا، قال: ((مَن تَبعَ منكم اليوم جنازة؟))، قال أبو بكرٍ: أنا، قال: ((مَن تصدَّقَ بصدقةٍ؟))، قال أبو بكرٍ: أنا، قال: ((مَن عادَ منكم مريضًا؟))، قال أبو بكرٍ: أنا، قال: ((ما اجْتمعنَّ في امرئ، إلا دَخَلَ الجنة)).
♦ الصدقةُ تجبر ما كان فيه من النقْص والخَلل؛ ولهذا وَجَبَ في آخر رمضان زكاةُ الفطر؛ طُهْرةً للصائم من اللغو والرفث.
إنَّك ببذلك وعطائك تقرضُ ربَّك ليوم فقْرك وحاجتك وضرورتك يوم الفقر والمسكنة، يوم التغابُن.
شربة ماء، ومَذْقة لبن، وحَفْنة تمْر، وقليل من الطعام والمال، واللباس والفاكهة، تُسْديها إلى محتاج، هي طريقك إلى الجنة.
إنَّ الله يدعوك للبذل والعطاء، ورحمة الفقراء والمساكين، وهي دعوة في ذات الوقت لنفسك لتقْرضَ ربَّك في الدنيا، فيكرم قرْضَك يومَ تلقاه؛ ﴿ إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [التغابن: 17].
فتذكَّر قولَ رسولك - صلى الله عليه وسلم -: ((ما نقصَ مالٌ من صَدَقَة))؛ رواه مسلم.
وتذكَّر أنَّ الأموال والكنوزَ والقصور مآلُها إلى الزوال والضياع؛ فالمالُ يَفْنى، والملك لا يَبقى، السلطان يزول والعِزُّ لا يدوم؛ ﴿ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ [الرحمن: 27].
اللهم اجْعلنا متعاونين لا مُتعادين، مُؤْتَلفين لا مختلفين، متراحمين لا متنابذين، متحابِّين لا متباغضين، اللهم ارزقنا الإخلاصَ في القول والعمل، ولا تجعل الدنيا أكبرَ همِّنا، ولا مَبْلَغَ عِلْمنا، وصلِّ اللهم على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله ربِّ العالمين.