عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : [ 1  ]
قديم 2006-03-18, 12:57 PM
جوري الشرقية
عضو متميز بالمنتدى
رقم العضوية : 6061
تاريخ التسجيل : 19 - 4 - 2005
عدد المشاركات : 2,158

غير متواجد
 
Unhappy :( و مسحت الرقم ...
الله أكبر

( اللهم اغفر له و ارحمه ، و عافه و اعف عنه ، و أكرم نُزله ، و وسع مدخله ، و اغسله بالماء و الثلج و البرد ، و نقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس :
و أبدله دار خيراً من داره ...
و أهلا خيراً من أهله ..
و زوجاً خيراً من زوجه ..)

بالضبط عند هذه النقطة من الدعاء ، كثيراً ما أسرح بذهني بــعيداً عن صف المصلين الذي أقف فيه لأتذكر ذلك الشاب...


لم أره منذ مدة ، ربما أكثر من عشر سنوات .
كان آخر لقاء لنا على مقاعد الدراسة ، و بـــعدها فرقتنا مشاغل الحياة و سنين دراسة أخرى طويلة.
ثم انقطعت عني أخباره ، حيث أنه خرج ليواصل دراسته الجامعية خارج البلاد .
كان صاحب عقل و مُتقد ، و ذهن صاف ، فأتم دراسته بتفوق ثم عاد ليعمل في إحدى المؤسسات المعروفة.

سمعت بعودة صاحبنا .. فذهبت إلى مكان عمله لأراه ، عِّلــنا نجدِّد عهوداً ماضيةً ، و لأعرف أخباره . و عندما التقيت الوجوه ابتسم كل منا لصاحبه ابتسامة عريضة ، و كان عِناقٌ و ضحِك ..

ثم قلت له :

لقد نحفت يا عبد الله !

فقال لي مازحاً

وماذا كنت من قبل حتى أنحف أكثر؟!

ثم ضحِكنا.
هوَ عبدالله الذي أعرفه ، بروحهِ المرحة و ابتسامتهِ العريضة ، و نظارتهِ السميكة التي تُطل من خلالها عيناه الذكيتان .

قلت له مداعباً:
ألم تتزوج بعد أيها العجوز؟

فرد علي:
بل أبشرك أني قد عقدت على بنت الحلال ، و أنا على وشك أن أنتهي من تأثيث الشقة ، و لم يبق سوى تركيب المكيفات و بعض الكماليات الأخرى ؛ لزوم الفرح كما تعرف !

ففرحت و باركت له و أنا أقول :
لا تنسَ أن تدعونا لوليمة عرسك إذن.

ثم إنني أخذت منه موعداً على أن يزورني في بيتي حتى نجلس سوياً و يعرف كلٌ منا أخبار صاحبه ، و أعطاني رقم هاتفه.

حصلت ظروف طارئة منعتني من رؤية عبدالله في الموعد المضروب . فكلمته بالهاتف لنؤجل موعدنا إلى وقت آخر ، فرحب بذلك . و كانت ظروف عمله هو الآخر غير مواتية ، فكانت تستلزم أن يسافر بسيارته من منطقة إلى منطقة بين الفينة و الأخرى.
و في أحد الأيام عنِّت له سفرة إلى إحدى المناطق القريبة ، فلــملم حاجياته و انطلق بسيارته.

كنا قد انتهينا للتو من صلاة المغرب ، فأسندت ظهري إلى المتكأ و أنا أردد الأذكار . و بقيت على تلك الحال برهة من الزمن ؛ ثم أحسست بهاتفي المحمول يهتز داخل جيب الثوب.
أخرجته و نظرت إلى رقم المتصل فإذا هو أحد الأصحاب ممن لم أرهم منذ فترة.
رفعت الهاتف إلى أذني مسلما على صلحبي ، فسلم و رحب بي على عجل على غير العادة ، ثم قال بنبرةٍ جادة

تعرف الأخ عبد الله ؟!
انقبض قلبي و أنا أقول
خيراً إن شاء الله ، ماذا أصابه ؟!!
الأخ توفى اليوم ...

.... كيــــــف ؟!!!

أقول توفي الأخ في حادث...
حادث سيارة ، و سيُصلى عليه اليوم بعد العشاء في الجامع...


أغلقت الهاتف و قد انعقد لساني من فرط المفاجأة ، لم أكن مصدقاً و لم أستطع أن أصدق ؛ و لذا فقد عزمت أن أخرج فوراً و أتأكد من الأمر بنفسي

زحامٌ شديد عند الجامع ، و أناسٌ من جنسيات مختلفة ، و كثير من زملاء عبدالله في العمل موجودون هنا.
و قف أبو عبد الله يستقبل جموع المعّزين و هو يحاول أن يخفي اضطراباً و ألماً دفيناً . جاءت ( ما يقولُ الناس ) أنها جثة عبدالله محمولة على الأكتاف .
صلينا على عبدالله ، و لكنني لم أزل غير متيقن تماماً بأنه قد رحل ؛ ربما كان في غيبوبة و ظنّوه ميتاً!!!
هذا يحصل ، أليس كذلك؟!

انطلقتُ أسابق الريح بسيارتي إلى المقبرة ، أريد أن أرى عبدالله قبل أن يُدفن؛
هل مات فعلا؟!
و ضعوه على الأرض ملفوفاً بكفنه ، اقتربت منه و أخذت أتفحصه و أتساءل
هل من بداخل الكيس هو عبدالله حقاً؟!
و أخذ دماغي يثور بالأسئلة ..
و لكن يا عبدالله لقد تخرجت من الجامعة لتوك ، و لا يزالُ أمامك الكثير من الأعمال لتقوم بها !
نجاحات كثيرة تنتظر منك أن تُحققها ..
و فتاة أحلامك هناك تنتظرك ..
و الشقة التي أكملت تأثيثها ..
و المكيفات..
و .. و .. موعِدُنا !!
هل تسمعني يا عبدالله ؟!!

هذه هي المرة الأولى التي أجيء فيها المقبرة ليلاً.
مصابيح إنارةٍ متناثرة هنا و هناك ، بعضها يرسل شعاعاً قوياً متوهجاً، و بعضها يرسل شعاعاً كئيباً باهتاً.
بالنسبة للميت ، ليس هناك فرق بين الليل و النهار ، فالحفرة مظلمة في كل وقت إلا من نُوّرَ عليه قبره.
بدأوا يهيلون عليه التراب..
الأيادي مغبة ، و العناق مشرئبة ، والعيون دامعة.
و أخذتُ أرمقه ..
هل سيتحرك ؟ هل سيتحرر من كفنه و ينفض التراب و ينتهر من حوله : كفو عن هذا!!
لم يحصل شيء من ذلك ...
و استمر التراب يعلو و يتراكم حتى استوت معالم القبر مع ما حولها من الأرض.
إذن ...

فقد مــــــــــات عبدالله...


هاأنذا أمسح رقم هاتف صاحبي من مفكرة الأرقام ، فقد صار لغيره ، و لكنني لم أجرؤ على مسح اسمه ، و أبقيته لأسترجع أشلاء من ذكراه.
لقد كانت المرة الوحيدة التي التقيت فيها عبدالله بعد عودته من الخارج هي تلك المرة عندما زرته في مقر عمله ، و لم تدم تلك الزيارة سوى بضع دقائق .
و لكنّه علمني شيئاً مهماً بموته ..
و هو أن كون الإنسان مشغولاً جدتً ،
و عندهُ الكثير من الالتزامات و المواعيد،
و ورائه كثيرٌ من الناس الذين ينتظرون لقائه..
أو ينتظرُ هو لقائهم ،

لا فــــــــــرق!!


كل ذلك لن يجعل هادم اللذات يتردد ثانية واحدة في أن يضرب ضربته من دونما موعد و لا استئذان.
و الآن أيها القراء الأفاضل ، هلا رددتم معي..

( اللهم اغفر له و ارحمه .. و ...و ..و
و أبدله داراً خيراً من داره ...
و أهلاً خيراً من أهله...
و زوجاً خيراً من زوجه.....)

المطويات المتميزة