عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : [ 2  ]
قديم 2010-08-06, 3:09 PM
يمامة الوادي
عضو متميز بالمنتدى
الصورة الرمزية يمامة الوادي
رقم العضوية : 7644
تاريخ التسجيل : 19 - 6 - 2005
عدد المشاركات : 43,494

غير متواجد
 
افتراضي

قال محمد بن كعب القُرَظي: "لأنْ أقرأَ في ليلتي حتى أصبح: "إذا زلزلت الأرض"، و"القارعة" لا أزيد عليهما، وأتردَّد فيهما، وأتفكَّر - أحبُّ إليَّ من أن أهذَّ القرآن هذًّا"؛ أي: أُسرع فيه إسراعًا ليس فيه شيء ممَّا ذكر.

وكان الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - يُعجبه الصوتُ الموهوب في ترتيله لآيات الذِّكر الحَكيم؛ حيث تنسجم روعةُ الأداء، مع قدسية المضمون، والجمال مع الكمال، وتتوافق الصورةُ والرُّوح، في نفس مطبوعة على السمو المطلق، والتكامل الفِطري؛ ولهذا كان - عليه الصلاة والسلام - يحبُّ الإنصات لعبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - المسمَّى بابن أمِّ عبد، وكان - رضي الله عنه - يتميَّز بصوت نفَّاذ، وأداء للقرآن أخَّاذ، وكان النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول لأصحابه: ((مَن أحبَّ أن يقرأ القرآنَ غضًّا كما أُنزل، فليقرأْ قراءةَ ابنِ أمِّ عبد))؛ يعني: ابن مسعود، وقد ثبت في الصَّحيحين: أنَّ قراءة ابن مسعود أبكتِ الرسولَ - صلَّى الله عليه وسلَّم - حين سمعه في بعضٍ منها، كما نُقل عن عثمان النهدي قوله: "صلَّى بنا ابن مسعود المغرب بـ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 1]، ووالله لوددتُ أنَّه قرأ بسورة البقرة مِن حُسن صوته وترتيله".

وكان الرأي السائدُ بين سلفنا الصالح: أنَّ التلاوة مع العُمق والقلَّة خير منها مع السطحيَّة والكثرة؛ لأنَّ المقصودَ الأهم منها هو تقليبُ الفِكر، واستدامة النَّظر في هاتيك الدُّرر الغوالي التي احتواها القرآن، وما يَشعُّ منها مِن بريق الهِداية، وأضواءِ الحِكمة، وهذا ما لا يُفطن له إلاَّ بحضور القلب، وتفتُّح الفؤاد حالَ القراءة أو السَّماع، وقد سُئل مجاهد عن رجلين قرأ أحدهما البقرة، والآخرُ البقرةَ وآل عمران في الصَّلاة وركوعهما واحد، وسجودهما واحد، فقال: الذي قرأ البقرة وحْدَها أفضل، وفي صحيح البخاري: أنَّ ابن مسعود قال لرجل قرأ سُور المفصَّل كلها في ليلة: "أهذًّا كهذِّ الشِّعر؟!"، وهو بهذا ينكر عليه تعجُّلَه المخلَّ بتفكُّره وتدبره، ومما روي عنه - رضي الله عنه - : "جَوِّدوا القرآن، وزيِّنوه بأحسن الأصوات، وأعربوه فإنَّه عربي، واللهُ يحبُّ أن يعرب به"، وقوله: "لا تَنثروا القرآن نَثرَ الدَّقل، ولا تهذُّوه هذَّ الشِّعر"؛ والدقل - كما في المصباح المنير -: هو أردأ التَّمر.

وممَّن طرب له الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - في تلاوته، واستمالته قراءته: أبو موسى الأشعري - رضي الله عنه - وكان مِن ذوي الحناجر الذهبيَّة الموهوبة، سمعه النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقرأ مِن وراء جُدرِ بيته فتلبَّث مليًّا؛ إعجابًا بهذا الصَّوت المشرق، والأداء الرائع، فلمَّا عرف ذلك أبو موسى قال للرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - : "لو علمت بوقوفك لحبَّرْتُه لك تحبيرًا"؛ أي: حسَّنته لك أكثرَ مما سمعت.

ومعنى ذلك: أنَّ إجادة الترتيل ليس لها حدٌّ تقف عنده، وأنَّها قابلة للتطوير إلى الحدِّ الذي لا يفسد المبنى، ولا يلهي عنى المعنى.

وما دُمنا قد تحدَّثنا عن جمال الصَّوت، وحُسن الأداء حين التلاوة، فإنَّنا نُنبِّهُ إلى أنه ليس معنى هذا التفريط أو الإفراط، فكما لا يجوز الإخلالُ بصحة الحروف، واستقامة الوقوف، كذلك لا يجوز المبالغة في نُطق الحروف، والتكلُّف في إخراجها، حتى تصل إلى صورةٍ مشوَّهة جافية، وما أحسنَ قولَ أبي عمرو الدَّاني في هذا الصَّدد: "ليس التجويد بتمضيغ اللِّسان، ولا بتقعير الفم، ولا بتعويج الفك، ولا بترعيد الصَّوت، ولا بتمطيط الشَّد، ولا بتقطيع المد، ولا بتطنين الغنَّات، ولا بحصرمة الرَّاءات؛ بل هو القراءةُ السَّهلة العذبة، الحُلوة اللَّطيفة، التي لا مضغَ فيها، ولا لَوْك، ولا تعسُّف، ولا تكلُّف، ولا تَصنُّع، ولا تنطُّع، ولا تَخرج عن طِباع العرب، وكلام الفُصحاء بوجه من وجوه القِراءات والأداء".

فالإطارُ الذي يُمكن أن يبرز فيه الترتيل حسبما تراءى من خلال وصفِه وواقعه كما نُقل إلينا - يعتمدُ أصلاً على صِحة الحروف، ومعرفة الوقوف، كما يستند كذلك إلى تجميلِ القراءة بالصَّوت الحسن مع التفكُّر الهادف، والإلمام الواعي، والسَّبح في فلك الأهداف القرآنيَّة للاهتداءِ بإشعاعاتها، والاسترشاد بمواعظها، وهذه هي التلاوةُ المثاليَّة للقرآن الكريم، وعلى جانبيها طريقتان أُخريان يمثِّلان طرفي الغُلوِّ والتساهُل، ويُسمَّيان عند أهل الفن: التحقيق والحدر، والأوَّل هو العناية البالغة بمخارج الحروف: مِن إشباع، وتحقيق همز، وإتمام حركة، وإظهار تشديدات، وتوفية غنَّات، وتفكيك حروف بالسَّكت والترسُّل، وهذا اللَّون لا ينبغي أن يكون إلاَّ للمتعلِّمين لتعويد النُّطق، وتوليد الانطباعات اللِّسانيَّة.

وأمَّا النَّوع الثاني - وهو المسمَّى بالحدر - فهو الإسراع مع إيثار الوصل؛ ولكن مع المحافظةِ على الحروف وإقامة الإعراب، ويلجأ إليه البعضُ تحصيلاً لحسنات أكثرَ، وإحرازًا لفضيلة أتمَّ، ولكنَّ الحقَّ خلافُ ذلك؛ فإنَّ العبرة ليست بوفرة التلاوة، بل بكثرةِ الإفادة، وقد أحسنَ بعضُ أئمة الترتيل حين قال: "إنَّ ثواب قراءة الترتيل والتدبُّر أجَلُّ وأرفع قدرًا من ثواب كثرة القراءة، فالأوَّل كمن تصدَّق بجوهرة ثمينة، والثاني كمَن تصدَّق بعدد كثير مِن الدراهم".

وبعد، فقد انتهينا الآنَ إلى أنَّ أفضل ألوان القراءة القرآنيَّة هو الترتيل، وهو الذي جاء به التنزيل الحكيم، وإنَّ عماد الترتيل صحَّةُ الحروف، وملاحظة مناسبات الوقوف، مع حسن الأداءِ وتجميل الصَّوت، وإدارة الفِكر، وإعمال القلب والوجدان فيما يمرُّ به من آيات بيِّنات، ومواعظَ بالغات، وإنَّ التشدُّد في أداء الحروف - سواء بالتحقيق أو بالتطريب - يُخرجها عن حدِّ القراءة المشروعة والتلاوة المتوارثة؛ كما قال حمزة: "ما كان فوق البياض فهو بَرَصٌ، وما كان فوق القِراءة فليس بقراءة"، وإنَّ خير الأمور أوسطُها، وإنَّ الثواب الجزيل منوطٌ بكيفية القِراءة لا بكميتها، وحسبنا أن نقرأ قوله - تعالى -: ﴿ وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً ﴾ [الإسراء: 106]، ومعنى المكث: التلبُّث والتروي، وقوله - تعالى -: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [الأعراف: 204]، فإنَّ الاستماع بمعنى السُّكوت، والإنصات معناه التدبُّر، وهما لا يتأتيان بغير الأناة والترتيل، وقد جُعلت الفَقاهةُ بمعاني ما يتلى مِن شرائط السَّلامة، كما أنَّ عدم الاستفادة من التلاوة مِن صفات المخالفين، وذلك في قوله - تعالى -: ﴿ وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا * وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا ﴾ [الإسراء: 45 - 46]، ويقول - تعالى -: ﴿ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ [البقرة: 121]، ومعنى تلاوة القرآن حقَّ تلاوته - كما قال القرطبي -: "ترتيل ألفاظِه وتفهُّم معانيه؛ لأنَّ ذلك أدْعَى إلى الاتباع لِمَن وُفِّق".


توقيع يمامة الوادي




هل جربت يوماً اصطياد فكرة رائعة !؟
لـتـصوغـهـا فـي داخـلـك
وتـشحـنهـا بنبض قـلـبـك
وتعـطرهـا بطيب بروحك
وتسقـيـهـا بمـاء عـرقـك
حتى تنضج وتصنع منك إنساناً مبدعاً ؟