الموضوع: عبرة لمن يعتبر
عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : [ 1  ]
قديم 2006-03-09, 6:52 PM
أم نورة 73
عضو جديد
رقم العضوية : 7379
تاريخ التسجيل : 11 - 6 - 2005
عدد المشاركات : 79

غير متواجد
 
افتراضي عبرة لمن يعتبر
a7 ‏لم أكن جاوزت الثلاثين حين أنجبت زوجتي أوّل أبنائي.. ‏ما زلت أذكر تلك الليلة . ‏بقيت إلى آخر الليل مع الشّلة في إحدى الاستراحات.. ‏كانت سهرة مليئة بالكلام الفارغ.. ‏بل بالغيبة والتعليقات المحرمة... ‏كنت أنا الذي أتولى في الغالب إضحاكهم.. ‏وغيبة الناس.. ‏وهم يضحكون. ‏أذكر ليلتها أنّي أضحكتهم كثيراً.. ‏كنت أمتلك موهبة عجيبة في التقليد.. ‏بإمكاني تغيير نبرة صوتي حتى تصبح قريبة من الشخص الذي أسخر منه.. ‏أجل كنت أسخر من هذا وذاك.. ‏لم يسلم أحد منّي أحد حتى أصحابي.. ‏صار بعض الناس يتجنّبني كي يسلم من لساني. ‏أذكر أني تلك الليلة سخرت من أعمى رأيته يتسوّل في السّوق... ‏والأدهى أنّي وضعت قدمي أمامه فتعثّر وسقط يتلفت برأسه لا يدري ما يقول.. ‏وانطلقت ضحكتي تدوي في السّوق.. ‏عدت إلى بيتي متأخراً كالعادة.. ‏وجدت زوجتي في انتظاري.. ‏كانت في حالة يرثى لها..
‏قالت بصوت متهدج: ‏راشد.. ‏أين كنتَ ؟ قلت ساخراً: ‏في المريخ.. ‏عند أصحابي بالطبع . ‏كان الإعياء ظاهراً عليها.. ‏قالت والعبرة تخنقها: ‏راشد… ‏أنا تعبة جداً . ‏الظاهر أن موعد ولادتي صار وشيكا . ‏سقطت دمعة صامته على خدها.. ‏أحسست أنّي أهملت زوجتي.. ‏كان المفروض أن أهتم بها وأقلّل من سهراتي.. ‏خاصة أنّها في شهرها التاسع ‏حملتها إلى المستشفى بسرعة.. ‏دخلت غرفة الولادة.. ‏جعلت تقاسي الآلام ساعات طوال.. ‏كنت أنتظر ولادتها بفارغ الصبر.. ‏تعسرت ولادتها.. ‏فانتظرت طويلاً حتى تعبت.. ‏فذهبت إلى البيت وتركت رقم هاتفي عندهم ليبشروني. ‏بعد ساعة.. ‏اتصلوا بي ليزفوا لي نبأ قدوم سالم ذهبت إلى المستشفى فوراً.. ‏أول ما رأوني أسأل عن غرفتها.. ‏طلبوا منّي مراجعة الطبيبة التي أشرفت على ولادة زوجتي. ‏صرختُ بهم: ‏أيُّ طبيبة ؟! ‏المهم أن أرى ابني سالم.‏قالوا، أولاً راجع الطبيبة . ‏دخلت على الطبيبة.. ‏كلمتني عن المصائب . ‏والرضى بالأقدار . ‏ثم قالت: ‏ولدك به تشوه شديد في عينيه ويبدوا أنه فاقد البصر !! ‏خفضت رأسي.. ‏وأنا أدافع عبراتي.. ‏تذكّرت ذاك المتسوّل الأعمى الذي دفعته في السوق وأضحكت عليه الناس. ‏سبحان الله كما تدين تدان ! ‏بقيت واجماً قليلاً.. ‏لا أدري ماذا أقول.. ‏ثم تذكرت زوجتي وولدي . ‏فشكرت الطبيبة على لطفها ومضيت لأرى زوجتي . ‏لم تحزن زوجتي.. ‏كانت مؤمنة بقضاء الله.. ‏راضية. ‏طالما نصحتني أن أكف عن الاستهزاء بالناس.. ‏كانت تردد دائماً، لا تغتب الناس . ‏خرجنا من المستشفى، وخرج سالم معنا. ‏في الحقيقة، لم أكن أهتم به كثيراً. ‏اعتبرته غير موجود في المنزل. ‏حين يشتد بكاؤه أهرب إلى الصالة لأنام فيها. ‏كانت زوجتي تهتم به كثيراً، وتحبّه كثيراً. ‏أما أنا فلم أكن أكرهه، لكني لم أستطع أن أحبّه ! ‏كبر سالم.. ‏بدأ يحبو.. ‏كانت حبوته غريبة.. ‏قارب عمره السنة فبدأ يحاول المشي.. ‏فاكتشفنا أنّه أعرج. ‏أصبح ثقيلاً على نفسي أكثر. ‏أنجبت زوجتي بعده عمر وخالداً. ‏مرّت السنوات وكبر سالم، وكبر أخواه. ‏كنت لا أحب الجلوس في البيت. ‏دائماً مع أصحابي. ‏في الحقيقة كنت كاللعبة في أيديهم . ‏لم تيأس زوجتي من إصلاحي. ‏كانت تدعو لي دائماً بالهداية. ‏لم تغضب من تصرّفاتي الطائشة، لكنها كانت تحزن كثيراً إذا رأت إهمالي لسالم واهتمامي بباقي إخوته. ‏كبر سالم وكبُر معه همي. ‏لم أمانع حين طلبت زوجتي تسجيله في أحدى المدارس الخاصة بالمعاقين. ‏لم أكن أحس بمرور السنوات. ‏أيّامي سواء . ‏عمل ونوم وطعام وسهر. ‏في يوم جمعة، استيقظت الساعة الحادية عشر ظهراً. ‏ما يزال الوقت مبكراً بالنسبة لي. ‏كنت مدعواً إلى وليمة. ‏لبست وتعطّرت وهممت بالخروج. ‏مررت بصالة المنزل فاستوقفني منظر سالم. ‏كان يبكي بحرقة! ‏إنّها المرّة الأولى التي أنتبه فيها إلى سالم يبكي مذ كان طفلاً. ‏عشر سنوات مضت، لم ألتفت إليه. ‏حاولت أن أتجاهله فلم أحتمل. ‏كنت أسمع صوته ينادي أمه وأنا في الغرفة. ‏التفت ... ‏ثم اقتربت منه. ‏قلت: ‏سالم! ‏لماذا تبكي؟! ‏حين سمع صوتي توقّف عن البكاء. ‏فلما شعر بقربي، بدأ يتحسّس ما حوله بيديه الصغيرتين. ‏ما بِه يا ترى؟! ‏اكتشفت أنه يحاول الابتعاد عني!! ‏وكأنه يقول: ‏الآن أحسست بي. ‏أين أنت منذ عشر سنوات ؟! ‏تبعته .. ‏كان قد دخل غرفته. ‏رفض أن يخبرني في البداية سبب بكائه. ‏حاولت التلطف معه . ‏بدأ سالم يبين سبب بكائه، وأنا أستمع إليه وأنتفض. ‏أتدري ما السبب!! ‏تأخّر عليه أخوه عمر، الذي اعتاد أن يوصله إلى المسجد. ‏ولأنها صلاة جمعة، خاف ألاّ يجد مكاناً في الصف الأوّل. ‏نادى عمر.. ‏ونادى والدته.. ‏ولكن لا مجيب.. ‏فبكى. ‏أخذت أنظر إلى الدموع تتسرب من عينيه المكفوفتين. ‏لم أستطع أن أتحمل بقية كلامه. ‏وضعت يدي على فمه وقلت: ‏لذلك بكيت يا سالم !!.. ‏قال: ‏نعم . ‏نسيت أصحابي، ونسيت الوليمة وقلت: ‏سالم لا تحزن. ‏هل تعلم من سيذهب بك اليوم إلى المسجد؟ قال: ‏أكيد عمر .. ‏لكنه يتأخر دائماً . ‏قلت: ‏لا . ‏بل أنا سأذهب بك . ‏دهش سالم . ‏لم يصدّق. ‏ظنّ أنّي أسخر منه. ‏استعبر ثم بكى. ‏مسحت دموعه بيدي وأمسكت يده. ‏أردت أن أوصله بالسيّارة. ‏رفض قائلاً: ‏المسجد قريب... ‏أريد أن أخطو إلى المسجد - ‏إي والله قال لي ذلك. ‏لا أذكر متى كانت آخر مرّة دخلت فيها المسجد، لكنها المرّة الأولى التي أشعر فيها بالخوف والنّدم على ما فرّطته طوال السنوات الماضية. ‏كان المسجد مليئاً بالمصلّين، إلاّ أنّي وجدت لسالم مكاناً في الصف الأوّل. ‏استمعنا لخطبة الجمعة معاً وصلى بجانبي... ‏بل في الحقيقة أنا صليت بجانبه . ‏بعد انتهاء الصلاة طلب منّي سالم مصحفاً. ‏استغربت!! ‏كيف سيقرأ وهو أعمى؟ كدت أن أتجاهل طلبه، لكني جاملته خوفاً من جرح مشاعره. ‏ناولته المصحف .. ‏طلب منّي أن أفتح المصحف على سورة الكهف. ‏أخذت أقلب الصفحات تارة وأنظر في الفهرس تارة . ‏حتى وجدتها. ‏أخذ مني المصحف ثم وضعه أمامه وبدأ في قراءة السورة .. ‏وعيناه مغمضتان .. ‏يا الله !! ‏إنّه يحفظ سورة الكهف كاملة!! ‏خجلت من نفسي. ‏أمسكت مصحفاً .. ‏أحسست برعشة في أوصالي... ‏قرأت وقرأت.. ‏دعوت الله أن يغفر لي ويهديني. ‏لم أستطع الاحتمال .. ‏فبدأت أبكي كالأطفال. ‏كان بعض الناس لا يزال في المسجد يصلي السنة .. ‏خجلت منهم فحاولت أن أكتم بكائي. ‏تحول البكاء إلى نشيج وشهيق .. ‏لم أشعر إلا ّ بيد صغيرة تتلمس وجهي ثم تمسح عنّي دموعي. ‏إنه سالم !! ‏ضممته إلى صدري... ‏نظرت إليه. ‏قلت في نفسي... ‏لست أنت الأعمى بل أنا الأعمى، حين انسقت وراء فساق يجرونني إلى النار. ‏عدنا إلى المنزل. ‏كانت زوجتي قلقة كثيراً على سالم، لكن قلقها تحوّل إلى دموع حين علمت أنّي صلّيت الجمعة مع سالم . ‏من ذلك اليوم لم تفتني صلاة جماعة في المسجد. ‏هجرت رفقاء السوء . ‏وأصبحت لي رفقة خيّرة عرفتها في المسجد. ‏ذقت طعم الإيمان معهم. ‏عرفت منهم أشياء ألهتني عنها الدنيا. ‏لم أفوّت حلقة ذكر أو صلاة الوتر. ‏ختمت القرآن عدّة مرّات في شهر. ‏رطّبت لساني بالذكر لعلّ الله يغفر لي غيبتي وسخريتي من النّاس. ‏أحسست أنّي أكثر قرباً من أسرتي. ‏اختفت نظرات الخوف والشفقة التي كانت تطل من عيون زوجتي. ‏الابتسامة ما عادت تفارق وجه ابني سالم. ‏من يراه يظنّه ملك الدنيا وما فيها. ‏حمدت الله كثيراً على نعمه. ‏ذات يوم .. ‏قرر أصحابي الصالحون أن يتوجّهوا إلى أحدى المناطق البعيدة للدعوة. ‏تردّدت في الذهاب. ‏استخرت الله واستشرت زوجتي. ‏توقعت أنها سترفض... ‏لكن حدث العكس ! ‏فرحت كثيراً، بل شجّعتني. ‏فلقد كانت تراني في السابق أسافر دون استشارتها فسقاً وفجوراً. ‏توجهت إلى سالم. ‏أخبرته أني مسافر فضمني بذراعيه الصغيرين مودعاً... ‏تغيّبت عن البيت ثلاثة أشهر ونصف، كنت خلال تلك الفترة أتصل كلّما سنحت لي الفرصة بزوجتي وأحدّث أبنائي. ‏اشتقت إليهم كثيراً .. ‏آآآه كم اشتقت إلى سالم !! ‏تمنّيت سماع صوته... ‏هو الوحيد الذي لم يحدّثني منذ سافرت. ‏إمّا أن يكون في المدرسة أو المسجد ساعة اتصالي بهم. ‏كلّما حدّثت زوجتي عن شوقي إليه، كانت تضحك فرحاً وبشراً، إلاّ آخر مرّة هاتفتها فيها. ‏لم أسمع ضحكتها المتوقّعة. ‏تغيّر صوتها . ‏قلت لها: ‏أبلغي سلامي لسالم، فقالت: ‏إن شاء الله .. ‏وسكتت... ‏أخيراً عدت إلى المنزل. ‏طرقت الباب. ‏تمنّيت أن يفتح لي سالم، لكن فوجئت بابني خالد الذي لم يتجاوز الرابعة من عمره. ‏حملته بين ذراعي وهو يصرخ: ‏بابا . ‏بابا . ‏لا أدري لماذا انقبض صدري حين دخلت البيت. ‏استعذت بالله من الشيطان الرجيم . ‏أقبلت إليّ زوجتي .. ‏كان وجهها متغيراً. ‏كأنها تتصنع الفرح. ‏تأمّلتها جيداً ثم سألتها: ‏ما بكِ؟ قالت: ‏لا شيء ‏فجأة تذكّرت سالماً فقلت . ‏أين سالم ؟ خفضت رأسها. ‏لم تجب. ‏سقطت دمعات حارة على خديها... ‏صرخت بها .. ‏سالم! ‏أين سالم .‏؟ لم أسمع حينها سوى صوت ابني خالد يقول بلغته: ‏بابا ... ‏ثالم لاح الجنّة .. ‏عند الله... ‏لم تتحمل زوجتي الموقف. ‏أجهشت بالبكاء. ‏كادت أن تسقط على الأرض، فخرجت من الغرفة. ‏عرفت بعدها أن سالم أصابته حمّى قبل موعد مجيئي بأسبوعين فأخذته زوجتي إلى المستشفى . ‏فاشتدت عليه الحمى ولم تفارقه .. ‏حين فارقت روحه جسده . ‏إذا ضاقت عليك الأرض بما رحبت، وضاقت عليك نفسك بما حملت فاهتف ... ‏يا الله إذا بارت الحيل، وضاقت السبل، وانتهت الآمال، وتقطعت الحبال، نادي ... ‏يا الله لا اله الا الله رب السموات السبع ورب العرش العظيم


توقيع أم نورة 73
~*¤ô§ô¤*~*¤ô§ô¤*~ وما من كاتب إلاسيفنى
ويبقى الدهر ما كتبت يداه ~*¤ô§ô¤*~*¤ô§ô¤*~
~*¤ô§ô¤*~*¤ô§ô¤*~فلا تكتب بكفك غير شيء
يسرك في القيامة أن تراه~*
¤ô§ô¤*~*¤ô§ô¤*~