5 – الدعاء
أخرج أحمد والنسائي من حديث عمار بن ياسر " وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا "
لأن كثير من الناس يدخله رضاه في باطل ويخرجه غضبه عن الحق وكذلك يدخله في باطل فلذلك نسأل الله دائما كلمة
الحق في الغضب والرضا ،، ومن دعائه أيضا من حديث زيد بن أرقم عند مسلم وعائشة عن أهل السنن " اللهم أعط
نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها " ومن حديث أبي هريرة عند أحمد وصححه الترمذي أن
أبا بكر قال يا رسول الله علمني شيئا أقواه إذا أصبحت وإذا أمسيت قال: قل " اللهم عالم الغيب والشهادة فاطر
السماوات والأرض رب كل شيء ومليكه أشهد ألا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان وشركه وأن
أقترف غلي نفسي سوءاً أو أجره إلي مسلم " أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك
وأيضا الدعاء المتكرر عشرات المرات في اليوم الواحد ( اهدنا الصراط المستقيم ) بشرط حضور القلب لأن الله تعالي لا
يستجيب من قلب غافل لاه
وإذا حصل الغضب فلا تعمل بمقتضاه بل جاهد نفسك علي ترك تنفيذه والعمل بما يأمر به فيندفع عنك شر الغضب ....
فمن فعل هذا ربما سكن غضبه وذهب عاجلا أو آجلا وكأنه حينئذ لم يغضب
ولقد أمر النبي صلي الله عليه وسلم من اعتراه الغضب أن يتعاطى أسباباً تدفع عنه الغضب وتسكنه وتمنع من ذلك
وهي ............................ ما سوف نختم به إن شاء الله
أمر النبي صلي الله عليه وسلم من اعتراه الغضب أن يتعاطى أسباباً تدفع عنه الغضب وتسكنه وتمنع من ذلك وهي :ـ
1- تغيير الهيئة من القيام للجلوس أو من الجلوس إلي الاضطجاع ... خرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث أبي ذر أن النبي صلي الله عليه وسلم قال : إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب و إلا فليضطجع " ... فذلك يباعد عن حالة الانتقام فضلا عن بركة إتباع النبي صلي الله عليه وسلم والإئتمار بأمره
وأيضا عند أحمد والترمذي وقال حسن صحيح من حديث طويل أن النبي صلي الله عليه وسلم قال : ألا إن الغضب جمرة في قلب ابن آدم أما فما رأيتم إلي حمرة عينه وانتفاخ أوداجه ، فمن أحس من ذلك بشيء فليلزق بالأرض " والمراد من ذلك أن يحبس في نفسه ولا يعد به إلي غيره بالأذى والفعل وكل ذلك سبيل إلي كظم الغيظ
2- السكوت : عند أحمد عن ابن عباس " إذا غضب أحدكم فليسكت " وهذا دواء عظيم للغضب أن يحبس الإنسان لسانه ويجتهد في ذلك كما سبق في المقدمة في الكلام عن اللسان ... لأن الغضبان يصدر منه حال غضبه من القول ما يندم عليه حال زوال غضبه ... مثل السباب وغيره مما يعظم ضرره فإذا سكت زال هذا الشر كله عنه وما أحسن قول مورق العجلى يرحمه الله : ما امتلأت غضبا قط .. ولا تكلمت في غضب قط بما أندم عليه إذا رضيت
3- الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم :- بمعني اللجوء إلي الله والاعتصام والامتناع به من الشيطان وفي الصحيحين من حديث سلمان بن صرد قال : استب رجلان عند النبي صلي الله عليه وسلم ونحن جلوس عنده أحدهما يسب صاحبه مغاضبا قد احمر وجهه فقال صلي الله عليه وسلم " أني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد ، لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " فقيل للرجل ألا تسمع ما يقول النبي صلي الله عليه وسلم فقال " أني لست بمجنون
ويلاحظ أن أكثر الناس اليوم إذا غضبوا ثم استعاذوا لا يجدون أثرا يذكر في غضبهم بما يدل علي أن استعاذتهم كعدمها .. فما تفسير ذلك؟؟! والجواب : أن الاستعاذة مشروطة بالفهم مع الشروع فورا في اللجوء الي الله مع النطق بها ، أما مجرد الكلمات والنطق بها دون عمل القلب فإن ذلك لا يجدي علي القائل شيئا يذكر .. وهذا الأمر مذكور في كتاب الله عز وجل بوضوح في سورة الأعراف والمؤمنون وفصلت كما يلي
سورة الأعراف : ـ
قال تعالي { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ {199} وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ {200} إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ {201} وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ {202}
لما كان لابد من أذية الجاهل وسفاهته أمر الله تعالي أن يقابل الجاهل بالإعراض عنه وعدم مقابلته بجهله .. فمن آذاك بقوله أو فعله لا تؤذه ومن حرمك لا تحرمه ومن قطعك فصله ومن ظلمك فاعدل فيه . فالأمر هو الإعراض عن الجاهل مع إقامة حق الله فيه وعدم الانتقام لنفسه .. ولما كان الشيطان لابد أن يغافل وينال منه .. الشيطان الذي لا يراه مرابطاً منتظر غرته وغفلته ليستعمل أسلحته في إهاجة غضبه أكثر ليركبه كيف يشاء فيوسوس له أن سكوتك عجز منك ومهانة و ذلة ولو تركته لتجرأ عليك وتعود علي إهانتك .. فلابد أن تؤذيه وتوقفه عند حده وتعرفه قدره ...الخ
من أجل هذا أمر الله بالاستعاذة منه في هذا الموطن ولتعلم أن الله يسمع ما قيل لك وما ستقوله ويعلم ما فَعل بك وما ستفعله ويعلم نيتك وضعفك وقوة التجائك له فيحميك من فتنته ويقيك من وسوسته .
وحينئذ يتذكر المؤمن التقي أن ما يدور في نفسه من شر ما هو إلا طائف من الشيطان ثم يستغفر الله ويستعيذ ويري الأمر علي حقيقته وأنه كان علي وشك السقوط في شرك الشيطان وهذا بخلاف الغاوين الذين تتلاعب بهم الشياطين ولا يدخرون وسعاً في إغوائهم ولا يقفون معهم عند حد .. وفي حالة الغضب حدث ولا حرج مما يصدر منهم من الأقوال والأفعال ولذلك ينبغي للمؤمن أن يسلك سبيل المتقين و إلا وقع في سبيل الغاوين { وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ }
سورة المؤمنون : ـ
قال تعالي { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ {96} وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ {97} وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ {98}
فالمسيء من الإنس يَقابل بالإحسان كما سبق ولكن الشياطين تتربص حتى لا ينال المؤمن هذه الدرجة لذلك بعد الأمر بمقابلة الإساءة بالإحسان جاء الأمر بالتعوذ من همزات الشياطين .. والهمز : دفع بنخز ( نخس ) وغمز يشبه الطعن . فالهمزات هي دفع الوساوس والإغواء إلي القلب بشكل مفاجيء وإذا حضرت الشياطين واقتربت لم تكتفي بالهمز للمؤمن وإنما استفزت المسيء واجلبت عليه من كل طريق حتى يتطور الغضب إلي جميع شر من السب واللعن والقذف والفحش والقتال وما شابه ذلك . وكذلك حضور الشياطين عند قراءة القرآن وساعة الموت وغير ذلك في جميع الأمور والشيطان يعِز الحشرات والهوام ليشغل بها المؤمن ويؤذيه إن استطاع ويغري السفهاء والفجرة والظلمة بالمؤمنين وهكذا يستعيذ المؤمن من شر همزاته ومن شر حضوره واقترابه
سورة فصلت :ـ
( غير موجودة بالأصل فنقلناها من تفسير ابن كثير لتكتمل الفائدة )
ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ) أي فرق عظيم بين هذه وهذه ( ادفع بالتي هي أحسن ) أي من أساء إليك فادفعه عنك بالإحسان إليه كما قال عمر رضي الله عنه ما عاقبت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه وقوله عز وجل ( فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) وهو الصديق أي إذا أحسنت إلى من أساء إليك قادته تلك الحسنة إليه إلى مصافاتك ومحبتك والحنو عليك حتى يصير كأنه ولي حميم أي قريب إليك من الشفقة عليك والإحسان إليك ثم قال عز وجل ( وما يلقاها إلا الذين صبروا ) أي وما يقبل هذه الوصية ويعمل بها إلا من صبر على ذلك فإنه يشق على النفوس ( وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ) أي ذو نصيب وافر من السعادة في الدنيا والآخرة قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسيره هذه الآية أمر الله المؤمنين بالصبر عند الغضب والحلم عند الجهل والعفو عند الإساءة فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان وخضع لهم عدوهم كأنه ولي حميم وقوله تعالى ]( وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله }) أي أن شيطان الإنس ربما ينخدع بالإحسان إليه فأما شيطان الجن فإنه لا حيلة فيه إذا وسوس إلا الاستعاذة بخالقه الذي سلطه عليك فإذا استعذت بالله والتجأت إليه كفه عنك ورد كيده وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قام للصلاة يقول أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه