7 ـ ضغط الإشاعة : وهو ضغط تمارسه الأجهزة السياسية والأمنية والاقتصادية لإبتزاز المواطنين واثقال مشاعرهم بالخوف ، والهائهم عن القضايا الكبرى أو الأمور الحيوية ، حتى أنّ بعض الأنظمة تعمد إلى جعل المواطن في حالة طوارئ قصوى خوفاً من المجهول المرتقب الذي تتفنّن الإشاعة في تصويره أو التهديد به ، وربّما التنويم والتخدير به أيضاً .
ولا بدّ للتخفيف من ضغط الإشاعة من دراسة طبيعتها من حيث مفرداتها ، ومقدار الحقيقة التي تتضمنها ، ومن الذين يروّجون لها ، وماذا تستهدف ، وماذا يمكن أن تسببه من آثار ومخاطر ، وإعلام المغرّرين أو المأخوذين بها بذلك كلّه ، حتى نخلق مصدّاً بوجه رياحها .
8 ـ ضغط الإغراء : ليس الإعلام وحده مَنْ يمارس الضغوط الإغرائية على شبابنا وفتياتنا ، ولا الدعاية والإعلان فقط ، وإنّما الشارع الذي تتحرّك فيه النساء والفتيات أنصاف عاريات ، أو
يتبرّجن تبرّج الجاهلية الأولى من حيث إظهار الزينة وتنعيم الصوت والغنج وباقي مفردات الإغواء ، حتى لقد تحوّلت الأماكن العامّة إلى غرف نوم أو ما أشبه ذلك .
فالإغراء سواء كان لشراء بضاعة معيّنة ، أو لإشعال غرائز الشبّان والفتيات، أو للدخول في منتديات أو مقاهي أو ملاهي معيّنة ، هو وسيلة ضغط كبيرة يتساقط على أعتابها الكثيرون .
وكلّما خفت الرقابة الوالدية والمحاسبة البيتية ، وتضاعفت من الجهة الثانية وسائل الضغط الإغرائي التي تشجع عليها بعض الحكومات والأنظمة ، انفلتت الغرائز من عقالها ، وصعب لجمها وتعذّر ، لا سيما في أوساط الشبان والفتيات الذين لا يجدون سبيلاً إلى التعفّف أو الزواج عن طريق شرعيّ .
لقد أريد ليوسف الشاب (عليه السلام) أن يقع ضحيّة هذا اللون من الإغراء في أجواء مشجّعة ومحفّزة وضاغطة يفوح الجنس من كلّ ركن فيها ، لكنّه أبى واستعصم وتعفّف والتجأ إلى ركن وثيق : (وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلّقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنّه ربِّي أحسن مثواي إنّه لا يُفلح الظّالمون )(2) حتى قوله تعالى : (فاستجاب له ربُّه فصرف عنه كيدهنّ إنّه هو السّميع العليم )(3) .
فقد تخاطبك نفسك ـ وهي أمّارة بالسوء إلاّ ما رحم ربّي ـ أن تتحرّش بفتاة تمرّ من أمامك ، فتستجيب لأمرها وضغطها ، فتسمعها بعض الكلمات غير المؤدّبة .
فإذا ما استجبتَ لنفس الطلب في حالة مشابهة وفي وقت لاحق ، فإنّك تكون قد ضخّمت ـ بإرادتك ـ حجم الضغط عليك ، ويمكنك التأكد من ذلك عند ما تجد أ نّك لا تستطيع رفض طلب النفس بالتحرّش بفتاة أخرى .
ونفس الشيء يقال بالنسبة للفتاة المستجيبة لضغط التحرّش ، فإنّ سكوتها ، أو ابتسامتها ، أو التفاتتها ، هي ايضاً استجابة لضغط داخلي ، وإذا تكرّر ذلك منها فإنّها قد تقع تحت ضغط آسر لا تلبث أن تجد صعوبة بالغة في الخلاص أو الإنفلات من قبضته .
9 ـ ضغوط الحاجة : ونقول ضغوط لأ نّها ليست ضغطاً واحداً ، وإنّما هي متعددة تزداد بازدياد متطلبات الحياة العصرية المدنية المنفتحة على منتجات السوق العالمية أزياءً وسلعاً وبضائع وأفلاماً وتقنيات عصرية .
فالكمالي اليوم قد تقلّص ، أو هكذا راحت أجهزة الدعاية والإعلان تصور ذلك . فكلّ شيء ضروريّ ، حتى غير الضروريّ ، فهم ـ كما مرّ معنا ـ يخلقون حاجات موهومة ، أو مفبركة تجعلك تشعر بضرورة تلبيتها ، وإلاّ كنت ناقصاً ، أو متخلّفاً عن الركب المتحضّر ، الأمر الذي دفع ـ للأسف الشديد ـ بعض الشبان المضغوطين بتلك الحاجات إلى اقتراف ، أو اتباع أساليب جنائية محرّمة للوصول إلى تلك الحاجات ، إمّا لتقليد الحائزين عليها ، أو مسايرة لوضع اجتماعي ومعيشي في قيمه واعتباراته المادية الدخيلة ، بحيث تعتبر السرقة شطارة والتحايل فتوة ودهاء أو لعدم المقدرة للحصول عليها بالطريق المشروع .
أمّا في مدرسة الاسلام ، فالشاب الذي يعثر على لقطة ـ محفظة نقود أو غيرها ـ يبادر إلى الإعلان عنها وارجاعها إلى أصحابها ما تيسّر له ذلك ، وإلاّ تبرّع أو تصدّق بها عن صاحبها ، وبالتالي فكأنّ صاحبها لم يفقدها .
في حين أنّ الشاب الذي لا يحمل مثل هذه الخلفيّة الثقافية الشرعية قد يتنازعه شعوران ضاغطان ، شعور تسليمها إلى صاحبها ، أو السؤال عنه ، وشعور الاستحواذ عليها .
فإذا رجح الأوّل ، وهو كما قلنا لا يرجح إلاّ من خلال تربية سلوكية معيّنة ، فإنّ الضغط يكون قد ارتفع ، أمّا إذا ألحّ الشعور الآخر ، شعور الاستحواذ وأعانه على ذلك رفاق السوء الذين قد يسخرون من تسليمه اللُّقَطة ، أو التعريف بها ، لأ نّه ـ كما يحاولون تصوير ذلك ـ سيضيِّع فرصة ثمينة ، فإن ذلك سيشكل ضغطاً عليه في استبقائها والتصرّف بها على أنّها ملكه الخاصّ .
ويصل ضغط الحاجة أحياناً إلى درجة الإذلال المهين ، فيمدّ الشاب يده للاستعطاء والاستجداء وربّما السرقة ، وهو قادر على أن يحصل على قوت يومه لو طلبه من حلال .
وقد يذلّ نفسه مقابل أشياء حقيرة كلفّافة تبغ ، ومن هنا نفهم البعد البعيد للحديث الشريف : «لا ينبغي أن تكون للمؤمن حاجة تذلّه» لأ نّها تكون الضاغط الذي يلحّ عليه بالتلبية ، فينساق إلى تلبيته بأيّ ثمن حتى لو كان كرامته !
----------------------------------------
* البلاغ
(1) من الطبيعي إنّنا نتحدّث في الإطار العام ، وربّما كانت لكلّ حالة خصوصيتها ، فلا بدّ من دراستها ميدانياً ومعالجتها بالشكل الذي قد يقارب وجهات النظر بين الطرفين .
(2) يوسف / 23 .
(3) يوسف / 34 .