عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : [ 2  ]
قديم 2010-06-27, 9:42 PM
يمامة الوادي
عضو متميز بالمنتدى
الصورة الرمزية يمامة الوادي
رقم العضوية : 7644
تاريخ التسجيل : 19 - 6 - 2005
عدد المشاركات : 43,494

غير متواجد
 
افتراضي

كما ذكر ابن رجب كلامًا جميلاً في إحدى رسائله قال: "إنَّ في الدنيا جنةً معجلة، وهي معرفة الله ومحبَّته، والأنس به والشوق إلى لقائه، وخشيته وطاعته، والعلم النافع يدلُّ على ذلك، فمَن دلَّه علمُه على دخول هذه الجنَّة المعجلة في النار فاز بالجنة في الآخرة.

ولهذا؛ كان أشد عذاب في الآخرة لعالم لم ينفعه الله بعلمه، وهو من أشدِّ الناس حسرةً يوم القيامة؛ حيث كانت معه آله يتوصَّل بها إلى أعلى الدرجات وأرفع المقامات، فلم يستَعمِلها إلا في التوصُّل إلى أخسِّ الأمور وأدناها وأحقَرها، فهو كمَن كان معَه جواهرُ نفيسة لها قيمة عظيمة، فباعَها بعبرةٍ أو شيء مُستَقذَر لا ينفع به، فهذا حالُ مَن يَطلُب الدنيا بعلمه، بل أقبَح من ذلك مَن يطلبها بإظهار الزهد فيها، فإنَّ ذلك خداع قبيح جدًّا".اهـ.

ولقد كان نبيُّنا محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - يطلب الاستِعاذة من العلم الذي لا ينفَع، وسؤال العلم النافع؛ ففي "صحيح مسلم" عن زيد بن أرقم - رضِي الله عنه - أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان يقول: ((اللهمَّ إنِّي أعوذ بك من علمٍ لا ينفع، ومن قلبٍ لا يخشع، ومن نفسٍ لا تشبع، ومن دعوةٍ لا يُستَجاب لها))؛ رواه مسلم.

ومن حديث جابرٍ - رضِي الله عنه - أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان يقول: ((اللهم إني أسالك علمًا نافعًا، وأعوذ بك من علمٍ لا ينفع))؛ أخرجه ابن حبان والطبراني في "الأوسط".

وطلب العلم النافع له علاماتٌ وصفاتٌ فلا بُدَّ من الوقوف عليها؛ حتى يعرف طالب العلم الطريق الصحيح ولا ينحَرِف عنها.

والعلم النافع كما قال ابن رجب - رحمه الله -: "العلم النافع من هذه العلوم كلها ضبط نصوص الكتاب والسنَّة وفهْم معانيها، والتقيُّد في ذلك بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعيهم في معاني القرآن والحديث، وفيما ورَد عنهم من كلامٍ في مسائل الحلال والحرام والزهد والرقائق والمعارف، وغير ذلك.

ومَن وقَف على هذا وأخلَصَ القصدَ فيه لوجه الله - عز وجل - واستَعانَ عليه، أَعانه وهَداه، ووفَّقه وسدَّده، وفهَّمه وألهمه، وحينئذ يُثمِر هذا العلم ثمرته الخاصَّة به، وهي خشية الله.
قال - تعالى -: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ [فاطر: 28].

قال ابن مسعود - رضِي الله عنْه -: "كفى بخشية الله علمًا، وكفى بالاغتِرار بالله جهلاً"؛ ابن المبارك في "الزهد".
وقال بعض السلف: "ليس العلم بكثرة الرواية، ولكن العلم الخشية".
وقال بعضهم: "مَن خشي الله فهو عالمٌ، ومَن عصاه فهو جاهلٌ".

قال ابن رجب - رحمه الله -: "فمتى كان العلم نافعًا ووَقَر في القلب، فقد خشَع القلب لله، وانكسر له، وذلَّ هيبةً وإجلالاً وخشية، ومحبَّة وتعظيمًا، ومتى خشَع القلب وذلَّ وانكسر له، قنعت النفس بيسير الحلال من الدنيا وشبعت به، فأوجب لها ذلك القناعة والزهد في الدنيا".
وقال الحسن: "العلم علمان: فعلمٌ على اللسان، فذاك حجَّة الله على ابن أدم، وعلمٌ في القلب، فذاك العلم النافع".
قال سفيان الثوري: "العلماء ثلاثة: عالم بالله عالم بأمر الله، وعالم بالله ليس بعالم بأمره، وعالم بأمر الله ليس بعالم بالله"؛ أبو نعيم في "الحلية".
وكان الإمام أحمد - رحمه الله - يقول: "أصل العلم خشية الله".

قال ابن رجب - رحمه الله -: فأصل العلم بالله الذي يُوجِب خشيته ومحبَّته، والقرب منه والأنس به والشوق إليه، ثم يتلوه العلم بأحكام الله، وما يحبُّه ويَرضاه من العبد من قول أو عمل، أو حال أو اعتقاد، فمَن تحقَّق بهذين العلمَيْن كان علمه علمًا نافعًا، وحصَل له العلم النافع والقلب الخاشع، والنفس القانعة والدعاء المسموع، ومَن فاتَه هذا العلم النافع وقَع في الأربع التي استَعاذ منها النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وصار علمه وبالاً وحجَّة عليه، فلم ينتَفِع به لأنه لم يخشع قلبُه لربِّه، ولم تشبع نفسه من الدنيا، بل ازداد عليه حرصًا ولها طلبًا، ولم يُسمَع دعاؤه لعدم امتِثاله لأوامر ربِّه، وعدم اجتنابه لما يسخطه ويكرهه، هذا إن كان علمه علمًا يمكن الانتِفاع به، وهو المتلقَّى عن الكتاب والسنَّة.

فإن كان مُتلقى من غيره ذلك فهو غير نافع في نفسه، ولا يمكن الانتِفاع به، بل ضرُّه أكثر من نفعه.اهـ.

هذا بعض ما ذُكِر من سلفنا الصالح - رضِي الله عنْهم - في العلم النافع، وكذلك قد ذكَر سلفُنا وبعض الأئمَّة - رحمهم الله - علامات مهمَّة يستطيع طالب العلم أن يتعرَّف على العالم والعلم النافع الذي ينفعه في دينه ودنياه، وقس هذا على نفسك وغيرك - يرعاك الله.

ومن هذه العلامات:
1 - أنَّ أهل العلم لا يرون لأنفسهم حالاً ولا مقامًا، ويكرهون بقلوبهم التزكية والمدح.
2 - لا يتكبَّرون على أحد.
3 - يكرهون المدح والتزكية.
4 - لا حسد ولا سخرية، ولا يأخُذ على علمٍ عَلَّمه الله أجرًا.
5 - التواضع والخشية من الله، والانكسار والذل.
6 - الابتِعاد عن الدنيا والرِّئاسة والشهرة.
7 - لا يَدَّعِي العلمَ، ولا يفخر به على أحد، ولا ينسب غيره إلى الجهل إلا مَن خالف السنَّة وأهلها.
8 - عدم الإساءة وحسن الظن بِمَن سلَف من العلماء.

أمَّا من علامات العلم غير النافع الذي كان يَستَعيذ منه نبيُّنا محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - ففي حديث جابرٍ أنَّ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان يقول: ((اللهم إنِّي أسالك علمًا نافعًا، وأعوذ بك من علمٍ لا ينفع))؛ أخرجه ابن حبان.

ومن هذه العلامات:
1 - طلب العلوِّ والرفعة في الدنيا والمنافسة فيها.
2 - الفخر والخيلاء.
3 - طلب مُباهاة العلماء ومُماراة السُّفَهاء، وصرف وجوه الناس إليه.
4 - إظهار دعوى الولاية.
5 - عدم قبول الحق والانقِياد إليه، والتكبُّر على مَن يقول الحق.
6 - الإصرار على الباطل؛ خشية تفرُّق قلوب الناس عنهم بإظهار الرجوع إلى الحق.
7 - قبول المدح واستجلابه ممَّا ينافي الصدق والأخلاق.
8 - وَصْمُ عِلْمِ العلماء المتقدِّمين بالجهل والغفلة والسهو.
9 - إساءة الظنِّ بِمَن سلَف من العلماء المتقدِّمين.

هذا بعضُ ما جمعتُ في هذا المقال، فنَسال الله - تعالى - علمًا نافعًا، ونَعُوذ به من علمٍ لا ينفع، ومن قلبٍ لا يخشع، ومن نفسٍ لا تشبع، ومن دعاء لا يُسمَع.

اللهم إنَّا نعوذ بك من هؤلاء الأربع.

المراجع:
• بيان فضل علم السلف على الخلف؛ الحافظ ابن رجب الحنبلي.
• رسالة في ذم المال والجاه؛ الحافظ ابن رجب الحنبلي.
• الصحيحين: البخاري ومسلم.
• الزهد؛ لابن المبارك.
• حلية الأولياء؛ لأبي نعيم الأصفهاني.


توقيع يمامة الوادي




هل جربت يوماً اصطياد فكرة رائعة !؟
لـتـصوغـهـا فـي داخـلـك
وتـشحـنهـا بنبض قـلـبـك
وتعـطرهـا بطيب بروحك
وتسقـيـهـا بمـاء عـرقـك
حتى تنضج وتصنع منك إنساناً مبدعاً ؟