الموضوع: الشرفة
عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : [ 3  ]
قديم 2010-06-22, 4:41 PM
يمامة الوادي
عضو متميز بالمنتدى
الصورة الرمزية يمامة الوادي
رقم العضوية : 7644
تاريخ التسجيل : 19 - 6 - 2005
عدد المشاركات : 43,494

غير متواجد
 
افتراضي
يقول أبو عبدالله: أخذَنَا الوقت بالحديث هيَّا يا بُنَيَّ، دعنا ننطَلِق إلى البيت لتسلِّم على أمِّك وإخوتك، ركِب عبدالله مع والده العربة التي يجرُّها البغل وانطلَقَا إلى المنزل.

يا أم عبدالله، انظري، معي ضيف عزيز، تقوم الأم بلهفة وكأنَّ قلبها أشعَرَها بأنَّ هذا الضيف هو عبدالله، تنظر إليه والدموع تملأ عينيها، وتقول: الحمد لله على السلامة يا حبيبي، يقبِّل عبدالله يد أمِّه، ويضمُّها إلى صدره ويقول: سلَّمك الله يا أغلى أمٍّ في الدنيا، يسلِّم عبدالله على إخوته الصِّغار ويُرِيهم هدايا العيد، ما تلبَث الشمس أن تَغِيب ويحل وقت أذان المغرب، ينطَلِق عبدالله فيَقُول الجميع: إلى أين؟ فيُجِيب مبتَسِمًا: عندما تسمَعون ستَعرِفون إلى أين، توجَّه عبدالله إلى المسجد القريب من بيته، يدخل إلى المسجد، يتوضَّأ من البِرْكة، ويبدأ برفْع الأذان بصوته الجميل: الله أكبر، الله أكبر...

يسمع الأهل الصوت وهم بدهشةٍ وفرحة، عبدالله يرفع الأذان عاليًا، يا لفرحنا بهذا الولد البارِّ.

يجتَمِع الناس على صلاة المغرب من شدَّة فرحهم، وهم لا يعرفون مَن يرفع الأذان، يدخُلون إلى المسجد وإذا بعبدالله، هذا أنت، الحمد لله على السلامة، كيف حالك؟ وكيف المدينة؟ يُقِيم الصلاة، وبدأ يقرأ آياتٍ من كتاب الله بصوت شجيٍّ، وبَعد الانتِهاء يقول: أهل قريتي الأعزَّاء، سنصلِّي اليوم صلاة التراويح، فلا تنسَوْا بعد صلاة العشاء.

يرجع هو ووالده إلى المنزل لتناوُل طعام الإفطار، فكم اشتَاق لتناوُل طعام أمِّه الشهي، يجتَمِع هو وأهله على المائدة، وبدأ يقص لهم جميع ما لقيه في المدينة، وكيف التَقَى أحمد الذي قدَّم له يد المساعدة، وزميله قاسمًا في الدراسة، والشيخ المبجَّل عبدالوَدُود، والكلُّ يحبِس أنفاسَه ويستَمِع بسعادة بالغة.

نظَر في الساعة فقال: لقد حان يا أبتي وقت صلاة العشاء والتراويح، هيَّا يا أبتي، ذهبا إلى المسجد، وفي الطريق يصحبون كلَّ مَن مرُّوا بطريقهم، حتى وصل إلى المسجد، وبدأ يرفع الأذان بصوته الشجي، ثم أقام الصلاة.

وبعد صلاة العشاء والتراويح، سلَّم عليه جميع أهل القرية، والجميع بدأ يدعوه إلى مائدة الإفطار غدًا.

فقال: جزاكم الله خيرًا، ولكنَّ الأهمَّ من ذلك أن غدًا جمعة، وليس لديكم خطيبٌ في المسجد، وأنا - بإذن الله - سأخطب الجمعة غدًا، لقد سَعِدَ الجميع بهذا الخبر، قال المختار أبو مصطفى: غدًا إذًا الفطور عندي لكِبار القرية وصغارها، رِجالاً ونساء، قال عبدالله: جزاك الله خيرًا يا مختار، كريمٌ كعادتك.

بعد الصلاة التَقَى عبدالله بصحبته في زمن الدراسة؛ فمحمد وحسن أصبَحَا مدرِّسَيْن في القرية، وعدنان أصبح مديرًا للمدرسة.

وبدأ يحكي لهم كيف التَقَى بالشيخ عبدالوَدُود، وبدأ يحفْظ كتاب الله العزيز، واقتَرَح عليهم بما أنهم متعلِّمون أن يبدؤوا بحلقات تعليم أهل القرية القرآن الكريم، وأن يتولَّى كلُّ واحد منهم بالتناوُب إمامة المصلين، وأن يخطُب كلُّ واحدٍ منهم خطبة الجمعة، وهو كل شهر سيأتي في إجازة آخر الشهر ويُساعِدهم في ذلك.

وفي اليوم الثاني اجتَمَع الكلُّ على مائدة الإفطار بعد صلاة المغرب في مضافة المختار أبي مصطفى ويقول: غدًا العيد يا جماعة، وكلُّ عام أنتم بخير، الحمد لله الذي أعانَنا على صِيام الشهر، وعبدالله يغتَنِم كلَّ فرصة في الكلام فيذكِّرهم بكتاب الله وبالعبادة، والصلاة وقراءة القرآن.

انتهَوْا من الطعام، والكلُّ في فرَح وحُبُور، يقول عبدالله: قوموا إلى صلاة العشاء - بارك الله فيكم - اليوم ليس هناك صلاة تراويح واستعدُّوا غدًا صباحًا لصلاة العيد - أعادَه الله علينا بالبركة.

التَقَى بعدَ الصلاة بمحمد وحسن وعدنان، وطلَب منهم أن يختَارُوا بعضَ الأطفال ذوي الصوت الحسن؛ لكي يعملوا حلقةً للتكبير في صباح العيد.

لم يَنَمْ عبدالله حتى راجَع الخطبة التي كتَبَها له الشيخ عبدالوَدُود، ثم استيقظ قبل الفجر وأيقظ أهله، وألبَسَت أم عبدالله الأطفال الملابس الجميلة التي أحضَرَها من العاصمة لأهله.

ذهَب إلى المسجد هو وأهله، وصلى الفجر إمامًا بالمصلِّين، وبعدها بدأ يُدَرِّب الأطفال هو ومعلِّمو المدرسة على تكبيرات العيد، وبدأ بصَوْتِه العذب يكبِّر تكبيرات العيد: الله أكبر، الله أكبر... ثم قام لصلاة العيد، وبعدَها صَعِدَ المنبر لكي يخطب خطبة العيد التي حفِظَها عن ظهْر قلب، والكلُّ ينظر إليه بدهشة وسعادة.

وبعد الانتِهاء بدأ الجميع يهنِّئون بعضهم بعضًا، ويهنِّئون أبا عبدالله بهذه الذريَّة الصالحة.

انصَرَف الجميع إلى بيوتهم بسعادة بالغة لم يشعروا بها من قبلُ، وهو في الطريق يتذكَّر أهل الفضل الذين كانوا سببًا في هدايته؛ أحمد وقاسم والشيخ عبدالوَدُود، وكلَّما تذكرهم تذكر أوَّل مرَّة وقَف فيها على الشرفة، وتذكَّر المارَّة، وتذكر خيبتَه، ويقول في نفسه: الحمد لله على نعمة الهداية، فهذا رمضان الذي كانت فيه هدايتي قد غادَرَنا، ويا ربِّ أعنِّي على أن أحفَظ كتابك الكريم؛ حتى أتمكَّن من تعليم أهل قريتي الأعزاء، والحمد لك يا إلهي على كل شيء.

تم بحمد الله


توقيع يمامة الوادي




هل جربت يوماً اصطياد فكرة رائعة !؟
لـتـصوغـهـا فـي داخـلـك
وتـشحـنهـا بنبض قـلـبـك
وتعـطرهـا بطيب بروحك
وتسقـيـهـا بمـاء عـرقـك
حتى تنضج وتصنع منك إنساناً مبدعاً ؟