لقد سَعِدَ عبدالله وقال له: متى تبدأ هذه الدروس؟ فقال أحمد: هي ساعةٌ بين المغرب والعشاء؛ فالشيخ عبدالوَدُود حريصٌ على ألا يضيِّع الطلاب أوقاتهم، فيكون ذلك سببًا لتقصيرهم في دراستهم الجامعية.
وبدأ أحمد يحكي لهم عن شهر رمضان الفضيل، شهر القرآن، وكيف كان عندما قدم إلى المدينة لا يقرأ آية إلا ويخطئ بكلِّ كلمة فيها، ولكن بفضل الله - تبارك وتعالى - ثم جهود الشيخ عبدالوَدُود، أصبح ممَّن يحمِلون القرآن الكريم، فقال عبدالله في قرارة نفسه: وأنا - بإذن الله - سأحفَظ القرآن وأعلِّمه أهلَ قريتي الأعزَّاء.
بدَأ الدوام في الجامعة، وبدأت الدراسة مجددًا، وعبدالله على عادته يستيقِظ باكرًا، ولكن هذه المرَّة ليس على صِياح الديك؛ وإنما على صوت المؤذِّن العذب، يذهب هو وأحمد وقاسم - حيث استقرَّ معهما في الغرفة - إلى صلاة الفجر، وبعد العودة يُراجِع ما درَسَه من القرآن على يد الشيخ عبدالوَدُود، ثم يذهب مبكرًا إلى الجامعة؛ ليحجز مكانًا في المدرج؛ وذلك لكثرة الطلاب، واندفاعًا منه لحبِّه للتعلُّم.
وما هي إلا أيامٌ وبدَأ شهر رمضان المبارك، وبدأت معه الروحانيَّات والروابِط الأخويَّة بين الطلاَّب في السكن الطلابي، يجتَمِعون كلَّ يومٍ على مائدة الإفطار، يتعاوَنُون على تحضير الطعام، ثم يقومون لصلاة التراويح.
يقول في نفسه: الحمد لله، أنا في أحسن حال، ويتذكَّر أهله في القرية: والدته العزيزة، وأباه، وإخوته الصغار، ويقول: عندما سأَعُود في العطلة إلى القرية سأحمِل لأهلي بعض الهدايا، وأحكي لهم عن هذه الحياة الروحانيَّة الجميلة؛ فأنا لا أرى من المدينة إلا الشيخ عبدالوَدُود والصالحين والطيِّبين، لا كما كانت أمِّي تُخبِرني وتحذِّرني من أهل المدينة، فما رأيتُ منهم إلا الصلاح والبركة، فالحلال حلال، والحرام حرام، في الريف أو في المدينة.
يمضي كلَّ يوم جمعة إلى الصلاة هو وأحمد وقاسم وجيرانهم في السكن الطلابي، يتسايرون ماذا ستكون الخطبة اليومَ يا ترى؟ لقد كانت الخطبة في الأسبوع الماضي رائعة، يقول عبدالله: عرفت عن معاني الخير والهداية في رمضان ما لم أكن أعرفها عنه، كان عبدالله يحفظ كلَّ كلمة يقولها الشيخ عبدالوَدُود، ويحفظها في ذاكرته، وعندما يعود إلى الغرفة يكتب كلَّ ما يتذكَّره، ويساعده بذلك أحمد الذي يحفَظ القرآن، فيصحِّح له بعض الأخطاء، ويراجع له بعض السُّوَر التي علَّمَها إيَّاه الشيخ عبدالوَدُود.
يتذكَّر عبدالله أوَّل جمعةٍ له في العاصمة عندما كان واقِفًا على الشرفة يرَى هؤلاء الجموع، ولا يدري من أين قدِمُوا، فيضحَك على نفسه تارةً، ويتحسَّر أخرى على ما فاتَه من هذه النفحات الإيمانية، فيقول: إن وقفتي على هذه الشرفة قد غيَّرتْ حياتي، ويردِّد: يا لهذه الشرفة، ويا لهذه العاصمة، ثم يحمد الله مرَّة أخرى على أن لقي أبناء الحلال كأحمد وقاسم؛ فهذه من بركة دعاء أم عبدالله - حفِظَها الله - فتَملأ الدموع عينيه وهو يُحاوِل أن يُدارِي ذلك.
ثم قال: أتعرف يا أحمد، عندما أُسافِر إلى القرية، سأحضر لخطبة الجمعة، وفي أوَّل إجازة - بإذن الله - سأصعَد المنبر وألقي الخطبة، وسأقرأ في الصلاة ما تعلَّمت من كتاب الله العزيز، فجزاك الله عنِّي خيرًا؛ لولا أن لقيتُك في أوَّل يومٍ لي في المدينة فلستُ أدري كيف كانت حالي، فيقول أحمد: إن الله - سبحانه وتعالى - يهيِّئ للطيِّبين أمثالَهم، يردُّ عبدالله: بارك الله فيك يا أخي.
هذه أيَّام رمضان تنقَضِي يومًا بعد يوم، وعبدالله يزداد فيها إيمانًا ونَشاطًا؛ يوفِّق بين دروسه ومحاضراته، وبين حضور حلقات القرآن الكريم.
ويقول الشيخ عبدالوَدُود: أبنائي الطلاب، إن طلَب العلم فريضةٌ على كل مسلم، أنت بالنيَّة تكون في عبادة دائمة؛ فالدِّراسة في الجامعة لا تقلُّ درجةً وأجرًا - بإذن الله - عن الدُّروس في المسجد، المهمُّ أن تُخلِص النيَّة لله، وتحتَسِب ذلك عند الله، ويَقول: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن سلَك طريقًا يطلُب فيه علمًا، سلك الله به طريقًا من طرق الجنة، وإنَّ الملائكة لتَضَع أجنحتها رضًا لطالب العلم)).
يسمع عبدالله هذه الكلمات فيفرح فرَحًا ما فرح من قبل كمثله، ويقول في نفسه: الحمد لله على هذه النعمة، لو أنِّي لم أُتابِع دِراستي الجامعيَّة لكنت فقدت كثيرًا من الخيرات.
يرجع عبدالله بعد صلاته إلى الغرفة وهو ينوي السفر إلى القرية، فغدًا يوم الخميس وليس لديه دوامٌ في الجامعة، والجمعة عطلة، وما هي إلا أيامٌ ويأتي عيد الفطر السعيد، حيث إنه سيقضي هذه العطلة في القرية.
وبعد الاستِيقاظ للسحور ذهب وأخواه - أحمد وقاسم - لصلاة الفجر جماعة، وودَّع الشيخ عبدالوَدُود وقال له: يا شيخي، أين خطبة العيد التي وعدتَني بكتابتها؛ حتى ألقيها في المسجد صباح العيد - أعاده الله عليك وعلينا باليُمْنِ والبركات؟ فأجاب الشيخ مبتسمًا: لم أنسَ يا بني، ها هي، فقال عبدالله: جزاك الله عنِّي كلَّ خيرٍ؛ لما علمتني من قراءة القرآن الكريم، فأجاب الشيخ عبدالوَدُود: بارك الله فيك يا بُنَيَّ، وتذكَّر قول النبي - عليه الصلاة والسلام -: ((خيرُكم مَن تعلَّم القرآن وعلَّمَه))، فودَّعه عبدالله ممتنًّا وشاكِرًا ومُثنِيًا بحمده على الله.
عادَ إلى الغرفة وينظر إلى الساعة، ويفكِّر كيف سيلقَى الأهل بعد غِيابٍ لأوَّل مرَّة وقد قارب الشهر، وبدأ يُراجِع ما حفِظَه من القرآن الكريم، ثم قامَ ولبس ثِيابَه الجديدة التي اشتَراها من العاصمة، وودَّع أخوَيْه؛ أحمد وقاسمًا، وقال: نلتقي بعد عطلة العيد - بإذن الله - وخرَج مبتسمًا فَرِحًا لما به من حسن مَآل، وكان يسلِّم على كلِّ مَن يراه في طريقه وهو نازل على الدرج حتى وصل إلى الباب الرئيس، ثم نظَر إلى الشرفة التي كان يقف عليها ويتذكَّر سبب هدايته، ويقول: لا حوْل ولا قوَّة إلا بالله، مباراة كرة قدم، ويبتَسِم، ثم يستغفر الله ويقول: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، انتَظَر الحافلة قليلاً، ثم صعد وركب فيها على أحد المقاعد، وبدأ ينظر إلى شَوارِع العاصِمَة وإلى الناس، فطلاب المدارس ذاهبون إلى مدارسهم، والعمَّال إلى عملهم، والموظَّفون إلى وظائفهم.
وصَل إلى كراج الانطِلاق وصعد إلى الحافلة، وكانت نفس الحافلة التي ركِب فيها عندما جاء إلى العاصمة، فقال في نفسه: لن أنام سأُراجِع بعضَ المحاضرات التي لم أدرسها البارحة، ثم أحفظ الخطبة التي كتَبَها لي الشيخ عبدالوَدُود - حفظه الله - حتى ألقيها في صباح العيد على مَسامِع أهل القرية، ونفسه تهفو إلى لقيا أهله وأحبَّته وجيرانه، ويحمد الله مثنيًا عليه.
لم يُحسَّ بالوقت إلا والسائق يقول: ركَّاب القرية يستعدُّون للنزول قبل أن نَنساهُم؛ فالحافلة تصل إلى قُرًى مُجاوِرة أيضًا، ينزل من الحافلة مُمسِكًا بحقيبته التي كانت الهدايا فيها، وهو مُمسِك بقوةٍ بها؛ كي لا تضيع من يده طوال طريق السفر، مشى مسافة طويلة دون أن يشعر بالتعب حتى وصل إلى مَشارِف القرية، ثم دخَل بين الحقول حتى يلقي التحيَّة على والده، فهو بالتأكيد ما زال في الحقل، فالوقت ما زال نهارًا، وصَل إلى الحقل، ونادى يا أبا عبدالله، أين أنت؟
يسمع أبو عبدالله الصوت ويقول فرحًا: هذا صوت عبدالله، يَرمِي من يده المِعوَل مُسرِعًا حتى يرى مَن المنادي، كان المنادي فعلاً ولده البكر عبدالله، يرمي عبدالله أغراضه ويحضن والده العزيز ويقبِّل يدَيْه، ويَقول له: كل عام أنت بخير، كيف الجميع: أمي، إخوتي، الجيران، أهل القرية؟ فيقول أبو عبدالله: خذ نفسًا يا عبدالله، فيُجِيب عبدالله لقد اشتَقتُ إليكم يا أبي، كيف رمضان في القرية؟ هل وصَلَكم إمامٌ جديد للمسجد؟ فيُجِيب الأب: لا، كما تركتَه دون إمام، ولكن الأمور على ما يُرام.
أخبرني أنت عن دراستك وسكنك وأحوالك، ما هذه الثياب الجميلة؟ أأصبحت من أبناء المدينة؟ فيقول عبدالله لأبيه: لا يا أبتي، لن أنسى القرية ما حَيِيتُ، ولن أعيش إلا فيها.