ثلاثية الفهم الإيماني
إننا كي نعي صعودنا ومعراجنا الإيماني هذا ، علينا أن نفهم بأن هناك ثلاث نقاط هي التي تحرك فينا الإيمان ، بحيث لو ضعفت ، تضعف فينا الإيمان ، وقد أطنب الإمام ابن القيم في شرحها بشكل متناثر في كتابه مدارج السالكين ، أضعها هنا مرتبة ، وهي :
أولاً : الأفكار الربانية : وهي التي تتكون في عقولنا ونفسنا وتكون نتاجا من أمرين :
1) " التفكر " الدائم في النفس وفي أحولها ، وفي أحوال الناس ما بين نعم ونقم ، وفي الكون الجميل الفسيح ، وفي سنن الله تعالى التي بثها في حركة الكون وحياة الناس .
2) " التذكر " المستمر لكل المعاني التي تعين على هذا الصعود الإيماني ، سواء من خلال تدبر القرآن الكريم ، أو من خلال دراسة سير الصالحين ، أو من خلال سماع المواعظ الإيمانية ، وصحبة الأخيار .
ثانياً : الأعمال المستمرة : فلا فائدة الأفكار الربانية ما لم تنتج أعمالا صالحة ، ولا تكمل الفائدة من هذه الأعمال الصالحة إلا بالاستمرار عليها ، فالبعض منا يتحمس لأيام ، ثم يعود كسولا فتورا ، كأنه لم يسمع ولم يتذكر ، فالقليل الدائم خير من الكثير المنقطع .
ثالثاً : طلب التوفيق الإلهي ؛ فإنه { مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [ سبأ : 2 ] ، ومنه يطلب العون والتوفيق في الأفكار وفي الأعمال ، وكلما زاد وتعمق المرء فيه ، كلما زادت الرحمات ، وكلما كسب المرء ما يمكن أن نسميه ( القوة الدُعائية ) وأي قوة هذه لو فقهنا ، قوة متصلة بالقوي العزيز .
ومن خلال فهمنا لهذه الثلاثة لمسألة معراجنا الإيماني ، نركز على الأفكار التي تدور في حنايا النفس ، وخلجات الروح ، وكما قيل : ( همك على قدر ما أهمك ، خواطرك من جنس همك ) فلو جعلنا " حب الله " هو الهم الذي يهمنا الوصول إليه ، لكانت أفكارنا أجنة جميلة من هذا الرحم الإيماني والتطلع الرباني ، ولكانت أعمالنا جميلة على هدي النبوة المباركة من غير إفراط ولا تفريط ، ومع العون والتوفيق الرباني ، نصل بحول الله إن لزمنا باب رحمة الله .
ومن خلال هذه الثلاثية في فهم المعراج الإيماني نستخرج منها أعمالا تنميها فينا :
أولاً : ممارسة عبادة التفكر بشكل يومي ولو لعدة دقائق ، ويكون هذا التفكر منوعا ، تارة في أحوال الناس وسراءهم وضراءهم ، وتارة في أنفسنا وما قدمته وما أحجمت عنه ، وتارة في جمال الكون وصنعة الخالق سبحانه ، وتارة في أحوال المسلمين وتقدمهم وتأخرهم ، وهكذا بحيث يكون لنا بشكل دوري جلسة تفكر ، أو رحلة تأمل ، أو تطلع إلى نجوم السماء وبهجتها ، أو بحر جميل يرسل أمواجه على حبات رمل ندية .. ولا نحرم أنفسنا من ذلك أبدا .
ثانياً : تحديد وقت للخلوة مع النفس ، وقت في كل يوم ولو في الفراش لدقائق ، و وقت في الأسبوع لفترة أطول ، ووقت في الشهر كجلسة بين ساريتي مسجد عتيق ، ووقت في العام كتضرع في الروضة الشريفة ، وهكذا ، وحالم هو من كان كل وقته مخالطا بالناس ، ثم يريد الرقي دائما ، إن الخلوة مهمة جدا في السير إلى الله ، يقول الشيخ عائض القرني في كتابه لا تحزن عن فوائد العزلة : " استثمار العقل ، وقطف جنى الفكر ، وراحة القلب ، وسلامة العِرض ، وموفور الأجر ، والنهي عن المنكر ، واغتنام الأنفاس في الطاعة ، وتذكر الرحيم ، وهجر الملهيات والمشغلات ... وفي العزلة ستر للعورات اللسان ، وعثرات الحركات ، وفلتات الذهن ، ورعونة النفس ... كل اللامعين والنافعين ، والعباقرة والجهابذة وأساطين الزمن ، ورواد التاريخ ، وشداة الفضائل ، وكواكب المحافل ، كلهم سقوا غرس نبلهم من ماء العزلة حتى استوى على سُوقه ، فنبتت شجرة عظمتهم ، فآتت أكلها كل حين بإذن ربها " ص: 116 ، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : " لابد للعبد من عزلة لعبادته وذكره وتلاوته ، ومحاسبة نفسه ، ودعائه واستغفاره ، وبُعده عن الشر " . فلا نحرم أنفسنا من خير هذه الخلوات المباركة.
إننا بالتفكر والخلوة المنهجية هذه ، نشعل الهمة في ثلاثية التفكير والفكر والعمل الصالح ، وننير النفس بحسن التضرع إلى الله ، دون أن يرانا سواه .
محطات إيمانية
وأعني بها مصادر التزود الإيماني ، إن وجد المرء فينا أن المهام الإيمانية السالفة الذكر ، لا تشبع جوعه ، ولا تروي ظمأه الإيماني .
المحطة الأولى : إدخال السرور على قلب مؤمن ، قال عليه الصلاة والسلام : ( من أفضل العمل : إدخال السرور على المؤمن : يقضي عنه ديناً ، يقضي له حاجة، ينفس له كربة ) صححه الألباني رحمه الله في صحيح الجامع . بل إن الصدقة لتتفاخر على بقية الأعمال الصالحة كما قال عمر بن الخطاب رضوان الله عليه : ( إن الأعمال تتباهى فتقول الصدقة : أنا أفضلكم ) صحيح ابن خزيمة.
المحطة الثانية : المباعدة عن النار ، بصوم التطوع ؛ قال عليه الصلاة والسلام : ( من صام يوما في سبيل الله بعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا ) . رواه البخاري .
المحطة الثالثة : كنوز الجنة ، بكثرة قول " لا حول ولا قوة إلا بالله " ؛ قال عليه الصلاة والسلام : ( ... يا عبد الله بن قيس قل لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها كنز من كنوز الجنة أو قال ألا أدلك على كلمة هي كنز من كنوز الجنة لا حول ولا قوة إلا بالله ) البخاري .
المحطة الرابعة : ممارسة الدعوة إلا الله على بصيرة وحكمة ؛ قال عليه الصلاة والسلام : (... فو الله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم ) البخاري .
المحطة الخامسة : الصحبة الصالحة ، والأُخوة الصادقة من أعظم الأمور المساعدة على التذكر والتفكر ، والتشجيع على الأعمال الصالحة ؛ إذ المؤمن الصادق يحب لأخيه ما يحب لنفسه ، وهو مرآة له ، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمصاحبة الطيبين وتخير الصالحين فقال: ( لا تصاحب إلا مؤمناً ، ولا يأكل طعامك إلا تقي ) أخرجه ابن ماجة والترمذي وأحمد.
المحطة السادسة : صحبة الكتاب ، فإن الأفكار والأعمال الصالحة لا تأتي لخامل الفكر ، ولا تتوقد فيمن يهجر الكتاب وقراءته ، فمن أراد أن يثري نفسه وروحه ، عليه أن يكثر من الإطلاع في الكتب الطيبة ، ينوع فيها كتنوع الأزهار ، ليكون نتاجه رحيقا مباركا إيمانيا يعنيه في معراجه الذي نريد ، وقال ربنا الكريم { اقرأ وربك الأكرم } مع القراءة يكون الكرم الكبير غير المحدود من الله سبحانه على قلب العبد وعقله وروحه .
ولكل مسلم أن يزيد بحسب حاله ، فهذا بر الوالدين والحرص عليهما ، وهذه كفالة يتيم ، وهذا نشر للدعوة ، وهكذا وهكذا ، كل بحسب مقدرته وحاله .
وفي توجيه الآخرين مزيد خير ونفع
وصية
لكل مسلم في معراجه الإيماني ميل ولذة مع إحدى الطاعات ، وعلينا أن نستثمر هذه اللذة في هذه الطاعة ؛ بحيث لو شعرنا بنقص أو تعب إيماني نلجأ سريعا لهذه العبادة التي نحب ، ونتزود منها بشكل سريع ولذيذ على النفس ، حتى يرجع للروح ألقها الإيماني من جديد ، فتنطلق راشدة بحول الله ، وهذا الميل وهذه اللذة التي يجدها أحدنا في إحدى العبادات طبيعية ، وجدها الصحابة قبلنا ، فهذا سيدنا عبد الله بن مسعود وجد لذته في القرآن ووجد أن الصوم يتعبه ويشغله عن القرآن فلا يصوم كثيرا ، وكذا الأمر لكل مسلم ، عليه أن يعرف موطن لذته وينميه ويحرص على التزود منه دائما ، فمن الناس مَن يجدها في الذكر ، أو القرآن ، أو الصوم ، أو السجود والصلاة ، أو التصدق ، أو قضاء حاجات الناس .. إلى آخر العبادات الجميلة المتنوعة .
الأخت الفاضلة ميار :
وبعد هذا التطواف أيتها الأخت أنصح بما يلي :
* وازني بين انطلاقتك الذاتية التي سوف تسألين عنها يوم القيامة : { وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً } [ مريم : 95 ] ، وبين حرصك على تواجدك مع أخواتك في الله ، فالصحبة الصالحة وسيلة على الخير ، وهي خير ، ولكن دورك أنت في ذاتك هو الأولى ، فإن للصحبة بين الأخوات أو آفات ذكرها ابن القيم رحمه الله في كتابه الفوائد فقال :
" الاجتماع بالإخوان قسمان :
1) أحدهما اجتماع على مؤانسة الطبع و شغل الوقت ، فهذا مضرته أرجح من منفعته ، و أقل ما فيه أنه يفسد القلب و يضيّع الوقت .
2) الثاني : الاجتماع بهم على أسباب النجاة و التواصي بالحق و التواصي بالصبر ، فهذا من أعظم الغنيمة و أنفعها ، و لكن فيه ثلاث آفات :
1- إحداها : تزيّن بعضهم لبعض .
2- الثانية : الكلام و الخلطة أكثر من الحاجة .
3- أن يصير ذلك شهوة و عادة ينقطع بها عن المقصود .
و بالجملة فالاجتماع و الخلطة لقاح إما للنفس الأمارة ، و إما للقلب و النفس المطمئنة ، و النتيجة مستفادة من اللقاح فمن طاب لقاحه طابت ثمرته و هكذا الأرواح الطيبة لقاحها من الملك ، و الخبيثة لقاحها من الشيطان ، و قد جعل الله سبحانه بحكمته الطيبات للطيبين ، و الطيبين للطيبات ، و عكس ذلك " .
* ما تشعرين به من نقص علمي ، أكمليه أختي بكثرة الإطلاع ، ولن يتوفر لك ذلك إلا بالصبر والخلوة ومصاحبة الكتب النافعة .
* أنصحك بالالتزام بحلقة حفظ للقرآن الكريم ، وأن تعقدي العزم على المضي فيها ، فإنها ستكون لك دافعا قويا ، وأنت في عمر يؤهلك لحفظ القرآن الكريم والإقبال عليه ، وستجدي فائدة نصيحتي هذه بعد سنوات .
* اعملي وحددي لك برنامجا مكتوبا تعرفينه أنت فقط ، وراقبي نفسك فيه ، دونيه في أوراقك ، وتابعي نفسك بدقة وأريحية .
* لا تضيقي على نفسك بكثرة الأعمال ، بل اجعلي ضمن برنامجك أشياء مسلية تحبينها ، فإن الصالحين دأبوا على الترويح على النفس ، والخروج للحدائق والبحر وتنسم الهواء العليل، وممارسة الرياضة ونحوها .
سدد الله دربك وحقق مرادك ، وجعلنا وإياك من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه .
ونسأل الله أن ينفع الجميع بهذا المعراج الذي هدفت له ، ولا ينسوني من دعوة صالحة تخرج من كنانة القلوب الصافية .
الشيخ عبد الحميد الكبتي