أهلاً بالمشاكل
بقلم الاستاذة : أسماء الرويشد
تقول الرسالة
غلطان .. غلطانة .. كل الأزواج ( غلطانين ) إذا تصوروا أن حياتهم الزوجية ستسير منذ بدايتها علي وتيرة واحدة ملؤها الحب والصفاء ، وأن ما يطرأ عليها نتيجة تقادم الأيام من تطور وتعقيد وتشابك في العلاقة وتوزيع للأدوار سوف يخضع بالضرورة لشكل واحدٍ محددٍ مرسوم في التعامل معه .
أقولها وليسمعني كل الأزواج وجميع المقبلين علي الزواج : إن موضوع الخلافات والمشاكل حقيقة مُسلم بها ، وهذه الحقيقة ليست بالشيء الغريب ولا بالجديد ، ولا تستدعي من أحد الزوجين أو كليهما الشعور بالإحباط وخيبة الأمل ، أو التشنج والتصلب الذي ينتابهما حال نشوب الخلاف أو وقوع طارئ سلبي في حياتهما .
خطأ فادح ذلك الذي نرتكبه حين نسمح للروايات ولمسلسلات روائع القصص وأفلام التلفزيون بأن ترسم خطوط مستقبلنا ، وتقود سلوكنا نحو ما نشاهده وما نتمناه ونتوقعه من شريك حياتنا ، ذلك الشخص الذي لا يمل من تكرار كلمة ( حاضر ) ( موافق ) ( علي أمرك ) إلي غيرها من مفردات الإيجاب والقبول ، ثم تأتي الصدمة غير المتوقعة حين يرفض شريك الحياة تلبية طلب أو إشباع حاجةٍ أو تحقيق رغبةٍ يراها ( الطالب ) مُلحة ومصيرية ، ويراها ( المطلوب منه ) غير مجدية ولا داعي لها .
وهكذا ، يظهر فجأة سلوك جديد لم نعتده من شريك الحياة ، أو تكشف لنا المواقف خَصلة فيه لم تكن واضحة من قبل ، أو ينقلب مزاجه وتتغير طباعه باتجاهٍ لا يناسبنا .. إلي آخره .
أهلاً بالمشاكل !!
غير أن القضية المهمة والمهمة جداً التي أود أن أطرحها – والحديث ما زال لصاحبة الرسالة – هو ما للخلافات من أثر إيجابي في حياة الأزواج يتفوق أحياناً علي المظهر السلبي الذي نقر به جميعاً ، فالأول يصعب استنتاجه وتلمس بعكس الأخير الذي تكفي للدلالة عليه مظاهر الخصام والعناد والصوت المرتفع .
بعض الخلافات نحتاج فيها إلي فترة من الوقت كي ندرك فوائدها وآثارها الإيجابية في حياتنا ، وأغلب الخلافات التي تعتري بداية الحياة الزوجية تساهم بشكل كبير في تعديل مسارها ورسم خطوط التعامل والعشرة بين الطرفين .
ما ينقصنا في الحقيقة هو نظرة التفاؤل العامة لحياتنا واكتساب مهارات التعامل وإدارة الخلاف ، وهو ما أدعوكم للتركيز عليه في مجلتي الحبيبة الفرحة .
يقول رسول الله صلي الله عليه وسلم : ( عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير ، إذا أصابته سراء شكر فكان خيراً له ، وإذا أصابته ضراء صبر فكان خيراً له ) صدق رسول الله صلي الله عليه وسلم .
ثم اختتمت رسالتها بدعوة المتزوجين إلي التحلي بالصبر وطول البال ، والدعوة للمجلة والقائمين عليها بالتوفيق والنجاح .
الحلوة والمرة
لقد أشارت رسالة القارئة الكريمة إلي أمر مهم فعلاً ، جدير بالانتباه والاهتمام ، ألا وهو ( خيرية ) المشكلة ، بل إنني عندما فكرت في التعليق علي ما كتبت ، تملكني حديث الذكريات الجميلة ، للأيام الأولي لبداية رحلة الزواج ، وبالتحديد فترة الخطوبة ( الحلوة ) ، تلك الفترة التي يلتقي المرء فيها شريك حياته ، نصفه الثاني ، يعاهدها وتعاهده علي شق طريق الحياة معاً بحلوها ومرها بكل الإخلاص والتفاني ، وأن يحقق كلُ لرفيقه السعادة والهناء ولو علي حساب نفسه .
لكم كان سهلاً عليكما حينها أن تحملا نفسيكما تبعات هذا العهد وما يُلزمكما به من متطلبات وشروط ، لأنكما حين أبرمتماه لم يكن أمامكما سوي صورة نظرية سطحية سلسة سهلة لشريك الحياة ، مكشوفة المعالم واضحة التوقعات .
وغاب عن بالكما – كما يغيب عن بال معظم الذين يمرون بهذه الفترة – أنه مهما كانت البصيرة ثاقبة والخيال واسعاً وآفاق التفكير بعيدة المدى ، فهناك أمور ومستجدات لا يمكن توقعها ومن الصعب ، بل ومن المستحيل ، إدراكها أو التنبؤ بها .
تري ماذا ستكون عليه الحال لو أننا في بداية المشوار – عندما تعاهدنا – احتطنا ( للمستور ) وهيأنا نفوسنا وعلاقتنا وحتى ميزانياتنا لما قد ( يظهر ) لاحقاً ، ولو من باب الاستعداد والحيطة علي أقل تقدير .
? ماذا لو عجز الطرف الآخر عن تحقيق الصورة التي تمنيتها فيه ؟
? ماذا لو رفض شريك حياتي توفير ما أطلبه وأتمناه منه ؟
? ماذا لو لم يبادلني بمثل ما أبادله من المشاعر أو أنه اختار أسلوباً لا يناسبني للتعبير عنها ؟
? ماذا لو تغيرت مواقفه أو ثقافته أو مزاجه .. أو .. أو ؟
? ماذا لو اكتشفت فيه خصالاً وأعمالاً سيئة جداً ما ظننت يوماً أن تصدر عنه ؟
كمّ هائل من الاعتراضات والمآزق غير المتوقعة يمكن أن تظهر فجأة ، تحتاج إلي قرار بشأنها .. إما الشكر.. وإما الصبر ، وإما الرحيل .
ماذا دهاكم
أتساءل وأنا أطالع بين الحين والحين آخر إحصائيات الطلاق في بلدي والبلدان المجاورة : ماذا دهي الأزواج في هذا الزمن ؟ ألم يكن آباؤنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا يختلفون فيما بينهم ؟
سمعنا وقرأنا عن قصصهم وقصص أخري حزينة قاسية قسوة العيش في تلك الأيام ، ومع ذلك انتهي معظمها بالستر والصبر والوفاء حتى نهاية مشوار العمر .
هل حقاً أن ما نراهم في حياتنا اليومية من أزواج وزوجات تكسو الابتسامة وجوههم ، هل حقاً هم جميعاً في غاية السعادة والهناء معصومون من الاختلاف والزعل ( والتناحر إذا لزم الأمر) ؟!
إنني علي يقين من أن كل المشاجرات والمشاحنات الناجمة عن المشاكل تجلب لأطرافها شيئاً من المرارة واللوعة ، ولكن بقليل من الصبر وبشيء من الحكمة ، حكمة الأجداد ، يمكننا أن نرسم للخلاف ، إذا قررنا ذلك – إطاراً جميلاً فيه الفائدة والسعادة والمزيد من الاستقرار .
كيف .. ؟!
إن القيام بهذه المهمة يستدعي استعداداً ورغبة صادقة من أحد الطرفين أو كليهما علي إنجاحها ، وذلك يكون باستحضار مشاعر عدة :
? تصبير النفس علي الاختلاف في الطباع والرغبات والأمزجة .
? تدريب النفس علي القبول والتسليم بالحد الأدنى من التفاهم القائم في حياتنا الزوجية للوصول بها إلي درجة القناعة ، ومن ثم محاولة الزيادة في التفاعل والتواصل ، فإذا نجح الأمر فهو خير حَضر ، وعكس ذلك فلا شيء خُسر .
? احتساب الأجر ومثوبة الابتلاء ، وأن حُلمك علي شريك حياتك وصبرك علي خصاله يُثقل ميزان حسناتك .
? استغلال أجواء التراضي لانطلاقة جديدة في العلاقة تحوي مساحة أكبر من السعادة والمودة ، وملاحظة أخيرة، وهي الرجاء بألا تفهم دعوتي للصبر علي أخطاء الطرف الآخر وما لا يرضيني منه ، إلي أنها دعوة للسكوت عن كل شيء ، فتأكيداً هناك أمور يكون الصبر عليها مخالفاً للدين والعرف والعقل ، والحزم فيها يكون أجدي وأولي .
المهم أن نضع دائماً مصلحة مسيرة الحياة الزوجية في المقدمة ، ونقدر لكل أمر قدره الذي يستحق ، وبما أن طاعة الله ومرضاته غاية النفس ، فلا شك في أن التوفيق سيكون حليفكما في النهاية .
يقول تعالي : ( إن مع العسر يسرا ، إن مع العسر يسرا ) .