تعلقت بها ولا أعلم كيف أتصرف؟
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أنا فتاة نشأت ولله الحمد في بيئة مستقيمة، حفظت كتاب الله في سن صغيرة أنا وإخوتي ولله الحمد، وكنت في سنوات دراستي متفوقة وما زلت ولله الحمد، وبطبعي اجتماعية جداً وعلاقاتي بالكل جيدة ولله الحمد، التحقت بالجامعة وتعرفت على رفقة صالحة تعاهدنا على الأخوة الحقة وتحقيق معنى الأخوة في الله
ولم يكن لي طوال حياتي صديقة صفية لنفسي تشاركني الصغيرة والكبيرة، إلى أن منَّ الله علي بصديقتي الحالية التي لم تتجاوز علاقتي بها السنة، لقد وجدت فيها ما لم أجده في غيرها، لقد أعانتني ووقفت معي، التقيت معها على نقد ما يحدث داخل أسوار الجامعة من مظاهر غير لائقة من منكرات وإعجاب وكانت من أشد المنكرين لهذا المظهر بالذات، إنسانة ذكية اجتماعياً ونفسياً بشهادة من حولها، كنت أعلم أنا لدي من المواهب ما لم أعلمه إلى أن ساعدتني على تفجير طاقاتي صراحة، بصرتني بكثير من عيوبي، وساعدتني على إصلاح بعضها، تشعرني بالأمان، وأصبحت لا أستغني عنها بأي حال، وإن غاب صوتها عني يومين لا أحتمل، وكثرت مكالمتي لها حتى ضاقت والدتي -حفظها الله- علماً بأن ما يدور بيننا من حديث أشهد الله أنه بريء، أحدثها بهمومي وتحدثني هي، وبعد المكالمة صدقوني أشعر برغبة شديدة بالعمل والأمل يتجدد كذلك المشكلة أني طوال حياتي لم أتعلق بإنسان لهذه الدرجة، وأنا استغربت من نفسي أيضاً والله أخشى أن يصل لشيء لا تحمد عقباه شرعاً وعرفاً، ابتهلت إلى الله أن يساعدني أن أقلل من مهاتفتي لها، ولكن هل هي الحل أرشدوني بارك الله فيكم؟
الجواب:
وعليك السلام ورحمة الله وبركاته
وبعد:
أيتها الفاضلة:
أحمد الله الذي أودع صدرك كلامه، واشكريه على ما منحك من القدرات العظيمة، ووفقك لرفقة صالحة واعية، ورباك في جو مفعم بالإيمان، وأما ما يخص علاقتك بصديقتك المفضلة، وما يحدث بينكما من اتصال، ومن تكدر الخاطر عند الابتعاد أو الانقطاع، فاعلمي أيتها الحافظة أن الكلام أقسام:
- منه ما هو ضرر محض يجب الابتعاد عنه وتجنبه،
- ومنه ما فيه ضرر ونفع، وهذا الابتعاد عنه أولى، وتركه أليق بحافظ الكتاب..
- وقسم ليس فيه ضرر ولا نفع وهو من فضول القول، وهذا أيضاً لا يليق بمن ينتمي إلى دعوة ربانية وعلى مثلك ألا تضيعي الوقت به وألا تنشغلي بمثل تلك الأحاديث..
- وقسم هو نفع محض، غير أنه يمكن أن يولد لدى الإنسان شيئاً من الرياء أو التصنع أو تزكية النفس أو غير ذلك فالتقليل منه فيه السلامة والانصراف إلى العمل الجاد النافع والمفيد هو الأفضل.
الصمت زيـن والسكـوت ســـلامة****فإذا نطقـت فلا تكن مكـثاراً
وإذا نـدمـت على سكوتـك مـــرة****فلـتندمـن على الكلام مراراً
وكان محمد الحارثي يقول : كثرة الكلام تذهب بالوقار.
وعن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه : إذا رأيتم الرجل يطيل الصمت فاقتربوا منه فإنه يُلَقـَّى الحكمة.
ولا شك أن الإنسان ابن بيئته يتأثر ويؤثر بالوسط المحيط، وأن للخلة والصحبة دور عظيم في التأثير
(المرء على دين خليله)
وقال تعالى: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه)،
وكما قال أحدهم :
أنت في الناس تقاس بالذي اخترت خليلا****فاصحب الأخيار تعلو وتنل ذكرا جميلا.
وبالنسبة لوضعك فلا شك إن تكرار الاتصال وكثرة الكلام قد يؤدي إلى إساءة الفهم يوماً ما
(أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما...)،
أو إلى إزالة المهابة، أو اختراق هالة التحصين والاحترام بينكما وهذا ليس من مصلحتك ولا من مصلحة زميلتك، بل ينبغي على الكيس الفطن أن يكون وسطا معتدلا في أموره كلها، وأمر الاعتدال هنا بيدك إن أنت استطعت أن تفهمي سر العلاقة التي بينكما، وحينئذ ستستطيعين وضع تلك العلاقة في إطارها الصحيح المنضبط. وأعتقد أن ما تعانيه هو صورة من صور الحرمان العاطفي فأنت كما ذكرت لم تجدي صديقة مخلصة ترتاحين لها، إلى أن جمعك الله بصديقتك هذه، والتقيتما أنت وهي على هدف نبيل وغاية سامية واحدة، وهو شعور طبيعيٌ سويٌ مادام في حدود الاعتدال كما سبق ذكره، دفعك ذاك الشعور إلى الإفراط خشية الإفلات، ولهذا فإنني أنصحك بالاحتفاظ بهذا الكم الهائل من المشاعر تجاه صديقتك، والتعبير عنها بقدرها، في الوقت المناسب، وللغرض المناسب، دون إفراط ولا تفريط..
وليكن اتصالك بهذه الصديقة في مجلس والدتك وعلى مسمع منها ومرأى، بل وأن تجمعيها بوالدتك إن استطعت إلى ذلك سبيلا، حتى تطمئن أمك على ابنتها التي بذلت لأجلها الكثير من وقتها لتحفظها كتاب ربها ولتصونها وترعاها، وأخيرا أكثري من الدعاء والابتهال إلى الله أن يقيك ويحفظك من كل مكروه.
المستشار:محمد صفاء بن شيخ إبراهيم حقي