السواك بين الشريعة والطب
مقدمة:
اهتم الدين الإسلامي بالنظافة والجمال اهتماماً بالغاً, حتى قال النبي r: "إن الله جميل يحب الجمال"(1), فشرعت كثير من الأحكام التي تحافظ على نظافة الفرد والمجتمع.
ومن تلك الأحكام المحافظة على نظافة الفم والأسنان من خلال بعض الممارسات الشرعية, ومنها استخدام السواك (عود الأراك), وقد جاءت مجموعة من الأحاديث التي تندب إلى استخدام السواك في مناسبات متعددة ومستمرة.
وقد كشف العلم اليوم عن فائدة هذا السواك (عود الأراك), وما له من مزايا وخصائص يتفوق بها على كل الأدوات المستخدمة اليوم في تنظيف الفم والأسنان, ومن هنا يتجلى وجه الإعجاز في الأمر باستخدام هذا العود العجيب, ومن خلال هذا البحث سنتحدث عن شيء من هذه الفوائد التي كشفت عنها الأبحاث الجديدة في هذا المجال.
السواك في الشريعة الإسلامية:
السواك في اللغة مأخوذ من ساك الشيء سوكاً بمعنى دلكه, والسِّواك ما يُدْلَكُ به الفم من العيدان, والسِّواكُ كالمِسْواك, والجمع سُوُكٌ(2).
وفي الشرع: استعمال عود أو نحوه في الأسنان لتذهب الصفرة وغيرها عنها(3).
وهو سنة مؤكدة عن النبي r, فعن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمرت بالسواك حتى خشيت أن يكتب عليّ"(4), ولذلك كان يكثر النبي r من الحث عليه, فعن أنس t قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكثرت عليكم في السواك"(5), والسواك من سنن الفطرة, والفطرة هي ما جبل عليه الإنسان في أصل خلقته, فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عشر من الفطرة: قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقص الأظفار وغسل البراجم ونتف الإبط وحلق العانة وانتقاص الماء", قال زكريا: قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة(6).
والسواك يرضي الرب سبحانه وتعالى ويطهر الفم, فعن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "السواك مطهرة للفم مرضاة للرب"(7), وهو من سنن الوضوء, قال أبو هريرة t عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء"(8), ويستحب عند القيام للصلاة, فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة"(9), وهو من الوظائف المستحبة في يوم الجمعة, فعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "غسل يوم الجمعة على كل محتلم, وسواك, ويمس من الطيب ما قدر عليه"(10).
ويتأكد أيضاً عند الاستيقاظ من النوم, وفي القيام لصلاة الليل, فعن ابن عمر رضي الله عنهما: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا ينام إلا والسواك عنده, فإذا استيقظ بدأ بالسواك"(11), وعن حذيفة t قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك"(12), وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بت عند خالتي ميمونة فتحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعة ثم رقد, فلما كان ثلث الليل الآخر قعد فنظر إلى السماء فقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ﴾ [آل عمران: 190], ثم قام فتوضأ واستن فصلى إحدى عشرة ركعة, ثم أذن بلال فصلى ركعتين ثم خرج فصلى الصبح.(13), ولذلك كان أهله يحرصون على وضع السواك قريباً من الماء الذي يتوضأ به, فعن عائشة "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوضع له وضوءه وسواكه فإذا قام من الليل تخلى ثم استاك"(14), يقول النووي: «فيه استحباب السواك عند القيام من النوم»(15).
ويستحب عند قراءة القرآن الكريم, فعن سمرة t قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "طيبوا أفواهكم بالسواك فإنها طرق القرآن"(16), وعن علي رضي الله عنه أنه أمر بالسواك وقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن العبد إذا تسوك ثم قام يصلي قام الملك خلفه فتسمع لقراءته فيدنو منه أو كلمة نحوها, حتى يضع فاه على فيه فما يخرج من فيه شيء من القرآن إلا صار في جوف الملك فطهروا أفواهكم للقرآن"(17).
وكان أول ما يبدأ به النبي r عند دخوله إلى البيت هو السواك, فعن عائشة رضي الله عنها: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل بيته بدأ بالسواك"(18), وفي هذا الحديث يقول النووي: «فيه بيان فضيلة السواك في جميع الأوقات وشدة الاهتمام به وتكراره والله أعلم»(19).
وكان آخر ما ختم به النبي r حياته هو السواك, عن عائشة رضي الله عنها قالت: "دخل عبد الرحمن بن أبي بكر على النبي صلى الله عليه وسلم وأنا مسندته إلى صدري ومع عبد الرحمن سواك رطب يستن به, فأبدّه رسول الله صلى الله عليه وسلم بصره, فأخذت السواك فقضمته ونفضته وطيبته ثم دفعته إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فاستن به, فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استن استناناً قط أحسن منه, فما عدا أن فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يده أو إصبعه ثم قال: "في الرفيق الأعلى" ثلاثا ثم قضى, وكانت تقول مات بين حاقنتي وذاقنتي"(20) .
يقول النووي: «والمستحب أن يستاك بعود متوسط لا شديد اليبس يجرح, ولا رطب لا يزيل, ويستحب أن يمر السواك أيضاً على طرف أسنانه وكراسي أضراسه وسقف حلقه إمراراً لطيفاً ويستحب أن يبدأ في سواكه بالجانب الأيمن من فيه»(21).
ويستحب غسل السواك بعد استخدامه, فعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يستاك فيعطيني السواك لأغسله فأبدأ به فأستاك ثم أغسله وأدفعه إليه"(22).
ووردت أحاديث أخرى تدل على تسويك اللسان, فعن أبي بردة عن أبيه قال: "أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فوجدته يستن بسواك بيده يقول أع أع والسواك في فيه كأنه يتهوع"(23), وعن أبي موسى قال: "دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وطرف السواك على لسانه"(24), يقول ابن حجر: «جعل السواك على طرف لسانه كما عند مسلم والمراد طرفه الداخل كما عند أحمد يستن إلى فوق, ولهذا قال هنا كأنه يتهوع, والتهوع التقيؤ, أي له صوت كصوت المتقيء على سبيل المبالغة, ويستفاد منه مشروعية السواك على اللسان طولاً, أما الأسنان فالأحب فيها أن تكون عرضاً, وفيه حديث مرسل عند أبي داود وله شاهد موصول عند العقيلي في الضعفاء, وفيه تأكيد السواك وأنه لا يختص بالأسنان»(25), ومن هنا ظهر معنى قوله على طرف لسانه أنه الطرف الداخلي؛ لأن هذا الجزء إن وضعت عليه شيئاً دفعك إلى الميل للتقيؤ, وهذا ما حدث مع رسول الله في قوله: "أع أع"(26).
السواك (عود الأراك) والأبحاث العلمية الجديدة:
لقد أثبتت الأبحاث وجود ما لا يقل عن 182 نبتة أو شجرة مختلفة الفصائل والتي تستخدم أعوادها لتحضير السواك, من هذه الأشجار يوجد ما لا يقل عن 158 نبتة في قارة أفريقيا وحدها, وأشهر هذه الأشجار على الإطلاق وأكثرها شيوعاً واستخداماً هي شجرة الأراك.(27), واسمها العلمي هو السلفادورا برسيكا, وهي تنمو في مناطق عديدة حول مكة وفي المدينة المنورة وفي اليمن وفي أفريقيا, وهي شجرة قصيرة، لا يزيد قطر جذعها عن قدم، أطرافها مغزلية، أوراقها لامعة, جذوعها مجعدة, ولونها بني فاتح, والجزء المستعمل هو لب الجذور, ولاستعماله تجفف ثم يحفظ في مكان بعيد عن الرطوبة, وقبل استعماله يدق بواسطة آلة حادة ثم يبدأ في استعماله, وإذا كان جافاً يغمس في الماء ثم تسوك به الأسنان, ويظل استعماله هكذا حتى إذا ضعفت وتآكلت يوقف استعماله ثم يقطع هذا الجزء ويستعمل جزء آخر وهكذا(28).
ويؤكد الباحثون أنه عند وضع عود أراك وفحص قطاع عرضي منه -وذلك بعد غليه ونقعه في مزيج يتألف من مقادير متساوية من الماء والكحول والجلسرين- إذ يلحظ الباحثون أن ثمة ثلاث طبقات متعاقبة:
1 – طبقة خارجية وهي عبارة عن نسيج فليني.
2 – طبقة وسطى وهي عبارة عن نسيج خشبي، وهما يشكلان الجزء الخارجي الذي يحمي الطبقة الثالثة.
3 – طبقة داخلية وهي عبارة عن ألياف سليلوزية رائعة البناء, فالألياف هنا تترتب وفق نظام دقيق في حزم متراصة بجوار بعضها أشبه ما يكون بفصوص ثمرة الليمون, تنطوي كل حزمة على عشرات الليفات الدقيقة لتكون معاً أكمل فرشاة طبيعية لدرء الخطر المحدق بالأسنان(29).
والفم هو المدخل الرئيسي لأعضاء الجسم الداخلية، ويمكن إدراك المخاطر التي يمكن أن تصيب هذه الأجهزة سواءاً الجهاز التنفسي العلوي أو الرئتان أو الجهاز الهضمي إذا ما أصيب الفم، وعلاوة على ذلك فإن الجهاز العصبي المتصل بالأسنان وبمنطقة الوجه يمثل خطورة كبيرة على الإنسان إذا هو أقرب المناطق إلى الجهاز العصبي المركزي الرئيسي –المخ- لذا كانت آلامه لا تحتمل, من هنا تتضح الأهمية القصوى لاهتمام الرسول r بتنظيف الفم والعناية به(30).
وقد ثبت تكون لويحة جرثومية (Bacterial plaque) تلتصق بالأسنان في غلالة رقيقة من اللعاب التي تسبح فيه، وهذه اللويحة أو الطبقة تتكون سريعاً حتى بعد تلميع الأسنان في أقل من ساعة، ويزداد سمكها ويحدث فيها ترسبات رخوة كلما تركت من غير إزالة، وقد ثبت أن هذه اللويحة الجرثومية التي تتكون على الأسنان هي المسئولة عن أمراض اللثة ونخر الأسنان، لما تحويه من عدد هائل من الجراثيم؛ إذ يصل عددها داخل هذه اللويحة إلى حوالي مائة بليون جرثومة في الجرام الواحد، وهذا يوضح لنا حكمة حث النبي صلى الله عليه وسلم أمته على دوام استعمال السواك، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ثبت في الصحيحين إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك، لأن ركود اللعاب أثناء النوم، أحد العوامل التي تشجع تكاثر الجراثيم وازدياد ترسباتها في هذه اللويحة, كما أن هذه اللويحة ليس لها علاقة بالأكل وفضلات الطعام فهي دائمة التكوين، لذا نفهم الحكمة من ترغيب النبي صلى الله عليه وسلم وحضّه على السواك وملازمته له حتى أثناء الصيام(31).
وهذه اللويحة الجرثومية (طبقة البلاك) في أفواهنا تشتمل على أعداد ميكروبية هائلة تقدر بنحو 300 مليون خلية في كل ملليجرام, وبالتالي فإنها تعتبر خطراً حقيقياً يزحف على الأسنان, فثمة سلالات بكتيرية من أمثال الاستربتوكوكس واللاكتوباسلس ونحوها لا تزال تطلق أنزيماتها المحللة للبقايا السكرية حتى تحولها إلى سكريات أبسط كالجلوكوز ثم تمضي عاملة عليها بغية تحويلها إلى أحماض عضوية كاللاكتيك والبيروفيك والخليك والبروبيونيك. ولا يخفى ما لهذه الأحماض من قدرة على إذابة الجزء الصلب الملاصق لمينا الأسنان محدثة فجوة تسويس الحامض, وعندها يبدأ سطح السن في التآكل ممهداً لدخول موجات جديدة من البكتريا المحللة إلى أعماق أبدع حتى يصل الهدم إلى منتهاه. إذاً فميكانيكية التسوس تكمن في تكون البلاك, وبدون البلاك لا يحدث تسوس وعند الرغبة في القضاء على التسوس يجب القضاء على البلاك.