عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : [ 2  ]
قديم 2010-03-16, 10:39 AM
يمامة الوادي
عضو متميز بالمنتدى
الصورة الرمزية يمامة الوادي
رقم العضوية : 7644
تاريخ التسجيل : 19 - 6 - 2005
عدد المشاركات : 43,494

غير متواجد
 
افتراضي
أخذ العبرة من السابقين، وذلك على مستويين:
متعلق بالمخاطبين بالقرآن؛ {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ} [طه: 128]، وهو دليل مادي ملموس يشاهدونه ويعيشونه، كأصحاب الحجر، وعاد بالأحقاف، وقوم لوط الذين قيل للمخاطبين في شأنهم: {وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ} [الصافات: 137].

متعلق به - صلى الله عليه وسلم - وذلك على مستويات:
منها أن يعرف سُنَن الله في الكون والخلق، فلا "يحزنه" ما يقولون، ويتأكد أنه لن يزول الصراع بين الحق والباطل إلى يوم الدين.

وأن يعرف كيف كان يتعب الرسل قبله، وكيف كانوا يواجَهون حتى من طرف من آمنوا بهم، فيأخذ بما أخذوا به ويقتدي بهم في:
عبادة الله - تعالى -: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي} [طه: 14].
إقامة الصلاة: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14].
أخذ المدعوين باللين: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 44].
التغلغل في المدعوين، ومباشرتهم بالدعوة دون حُجُب أو وسائط: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ} [طه: 43]، {فَائْتِيَاه}، والتأكيد للأمر بالذهاب إليه بالأمر بإتيانه، غاية في التبليغ والتوصيل، وعدم الاتِّكال على الوسائط والمناداة من بعيد.
اللجوء إلى الله واستشعار مراقبته ومعيته ونصرته: {قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى} [طه: 36]، {لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46].
الإعراض عن الاعتراضات التي لا يخدم نقاشها الدعوة: {قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي} [طه: 51 - 52]، {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا} [طه: 53].
الإعراض عن فُتَات الدنيا فلا يغر؛ {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ} [طه: 131]، ماديًّا كان ذاك الفُتَات، أم علميًّا، كعلم السحر عند سحرة فرعون، فالله الرازق؛ {نَحْنُ نَرْزُقُك} [طه: 132].
التأكيد على سُنَّة من سُنَن الله خاصة بهذه الدعوة، وهي الرحمة والحرص على المدعوين بها، فلا يهلك المكذبون كما هلك السابقون، وإنما يمهلون؛ {وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى} [طه: 129]، وهذا يحتِّم:
ألا معجزة مادية لهذه الدعوة سوى مادة الدعوة نفسها، التي هي القرآن؛ لأن الآيات المادية محكومة بسُّنَة أن من كذب بها، يعاجل بالعقوبة: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ} [الإسراء: 59]، {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} [الإسراء: 59]، ويلزم لهذه الخصِّيصة:
الصبر الدائم والاستمرار، حتى يخرج الله منهم - أو من أصلابهم - الجيل الصالح القابل بالدين؛ {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ} [طه: 130]، كما يلزم عليه:
زيادة في العبادة تستوجب زيادة في الثواب: {وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى} [طه: 130]، والصبر عليها صبرًا آخرَ خاصًّا، مرفقًا بالدعوة إلى ذلك؛ {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} [طه: 132].

ومع هذا الانتظار والصبر، يبقى الرسول - صلى الله عليه وسلم - يستشعر معية الله ورعايته وعنايته، كما يبقى انشغاله بالعبادة يخفف عنه الكثير من الأعباء، فلا تتحسر نفسه بإعراض المعرضين، ولا بتكذيب المكذبين، ومع ذلك يبقى متيقنًا من أنه لا يراد له بهذه الدعوة الشقاء، يقينًا تؤيده كل الأدلة المبثوثة في هذه السورة، واليقين بحتمية النصر والتمكين يحيط هذا من كل جانب؛ {فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى} [طه: 135].

إنه موضوع واحد تتَّحد السورة وتنصهر كلها في نقاشه، والاستدلال عليه، وتوضيحه بالسُّنَن الكونيَّة، والأدلة التاريخيَّة، والفطريَّة؛ حتى لا يبقى غبش في تصوره، ولا شبهة في صحته، تُلخَّص لذلك القصصَ تلخيصًا، وتقتصر منها على ما يخدم الفكرة، دون استطراد لباقي الأحداث[4].

هذا ما وفق الله إليه وهدى، ويبقى القرآن أكثر معنًى وأغزر بحرًا من أن تحيط به كلمات الناس، أو أن تفهم كل أبعاده، وإنما يكفي المرء أن يفتح الله عليه ما يعينه على فهمه وتدبره، والله الموفق والهادي إلى سواء الصراط.

ـــــــــــــــــــــ
[1] مع ضرورة ملاحظة الفرق بين الله وخلقه.
[2] ومن ذلك قوله - تعالى -: {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} [يس: 70]، وقوله: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165].
[3] فالمرضعات لا يقبلن إرضاع يتيم، والنساء لا يقبلن التزوج من فقير، والمجتمع لا يفهم من لا يشرب الخمر ويلهو، ويحتمي بآلهته وآلهة آبائه، فمن الذي رقق قلب حليمة، ورغب خديجة، وهذَّب نفس "هاشم"، وأبا طالب؛ حتى يعطفوا عليه - صلى الله عليه وسلم؟! ومن الذي أغفل المجتمع عن كونه لا يشرب خمرهم، ولا يحتمي بآلهتهم، ولا يلهو لهوهم الماجن، حتى سموه الصادق الأمين؟!
[4] مثلاً لم تذكر السورة أن موسى وعد أربعين ليلةً، ولا أنه أقام في مدين ثماني سنين، ولا أن بني إسرائيل قالوا: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ} [الأعراف: 138]، بل تختصر القصة اختصارًا على حسب حاجة السياق والموضوع.


توقيع يمامة الوادي




هل جربت يوماً اصطياد فكرة رائعة !؟
لـتـصوغـهـا فـي داخـلـك
وتـشحـنهـا بنبض قـلـبـك
وتعـطرهـا بطيب بروحك
وتسقـيـهـا بمـاء عـرقـك
حتى تنضج وتصنع منك إنساناً مبدعاً ؟