وبعد أن راجع معه بعْضَ الأمور، قال له صاحبُنا في تعجُّب:
يا شيخَنا، ما ظننت أبدًا أن أجِد ما نقرأ في الكتُب حاضرًا في أذْهان النَّاس، كنت أظنُّ النَّاس كلَّها على الفطرة والسنَّة!
فقال له الشَّيخ مبتسمًا: كيف بك لو رأيت عبَّاد الطواطم والأصنام؟!
إذًا لبكيْت كمدا وغيظًا.
آخر صدمة!:
ليست هذه آخر صدمة باعتبار أنَّ الأخ لم يرَ صدمات أُخَر؛ بل هي الأخيرة باعتبار إحساسه، فبعدها تبلَّد إحساسُ صاحبِنا، فلوْ رأى مَن يعبُد البقر لما أثار هذا دهشتَه، ولو رأى مَن يَمشي على رأسه لما اهتزَّت في بدنه شعرة، اللَّهُمَّ إلاَّ هزَّة الغضب والغيظ.
هكذا تغيَّر صاحبُنا المتحيِّر مع الوقت والاحتِكاك، فلمَّا قابل هذه الصَّدمة اهتزَّ قليلاً، وضاق صدرُه بعض الشَّيء، ثم صار يألف واقعَ المسلمين فلا يصدمه، ولم يَمنعه هذا الإلف من محاولة الدَّعوة والتَّغيير، فقط منعتْه من الصَّدمات!
جدير بالذِّكْرِ أنَّ صدمات صاحبِنا كانت كلّها في فترة واحدة تقريبًا، فقد نزلت العصا على رأسه بعددٍ من الصَّدمات متتاليات، فصار بعد عام واحدٍ من لقائِه بالمبتدع السَّابق في الحرم النَّبوي، إذا رأى العصا تقع على رأسِه قفز سريعًا للخلف ويتركُها تضرب الهواء، ثمَّ يُمسكها بلطف ويجذبُها من صاحبها ويضعها بعيدًا، ثمَّ إمَّا يقبل منه صاحب العصا نصْحَه، وإمَّا ينصرف حانقًا يتحرَّق هو بالغضب والصَّدمة!
كانت الصَّدمة الأخيرة متعدِّدة الأطراف، فقد وجد فجْأة أنَّه بين مجموعةِ مساجد، الأوَّل لا يقبله لأنَّه يطلق لحيته ويصرُّ على اتِّباع السنَّة في سمته! والآخر لا يقْبله لأنَّه ينكِر عليهِم تصدُّرهم للدعوة بغير علم! والثَّالث لا يقبله لأنَّه لا يقول بكُفْر المعيَّن بمجرَّد وقوعه في الكفر! والرَّابع لا يقْبله لأنَّه لا يجرح الدعاة! والخامس لا يقبله لأنَّه يُخالف فتاوى الشَّيخ الأستاذ بالمسجد11
وكلّ طائفة تُحاول جاهدة تصنيفه - ولا بدَّ من التَّصنيف عندهم جميعا!- فيسمع ممَّن ناقشه منهم بعد ذلك تهمًا عجيبة كانت تلصق به جزافًا، فكلّ القوم - ولو أنكروا ذلك - يَجرحون غيرهم ويُنْكِرون عليهم، ويعدِّلون من كان على نهجهم وجماعتهم!
فإذا ما حاول أن يُناقش أحدَهم - إلاَّ مَن رحم الله - وجد آذانا صمًّا وأعيُنًا عمْيًا، لا يرِدُون إلاَّ عن كبيرهم، ولا يشْربون إلاَّ من أحواضهم.
وإذا ما حاول أن يوصِّل إليهم دعوته في اتِّباع السنَّة، وأنَّ الخلاف ليس رحْمة، أشاروا له جميعًا إشارة واحدة اتَّفقوا عليها جميعًا، رغْم أنَّهم اختلفوا فيما عداها.
اخرُج عنَّا، هيَّا ابتعد، لستَ منَّا ولسنا منك، ابْحث عمَّن تنتمي لهم، فإمَّا أن تكون معنا أو تكون ضدَّنا!
لكني مسلم!
ونحن مسلمون أيضًا؛ لكن لنا طريقُنا ولك طريقك، إمَّا أن تتعاوَن معنا على ما نَحن فيه بلا إنكار، وإمَّا أن تبحث عمَّن يوافقك؛ لأنَّنا لن نقبلَك وسنُعاديك ونُبغضك، فنحن لنا سبيلٌ لن نحيدَ عنْه.
أين الولاء؟ أنا مسلم!
ولاؤُنا لجماعتِنا أكبرُ من ولائِنا لأمثالِك وأمثال الجماعات الأخرى، فمنكم نبْرأ بلسان الحال أو المقال.
ولو خالف سبيلُ جماعتِكم السنَّة وهدي الصَّحابة؟!
هذه فروع، ونحن لا نختلف في الأصول!
أي فروع وأي أصول؟ هل خلاف السنَّة فروع؟!
الأصول عندنا أنَّنا مسلمون، وأنَّنا ننتمي إلى هذه الجماعة وهذا الشَّيخ، ونهجر ما عداها، والفروع كلّ ما عدا هذه الحقائق، فإذا أردتَ صُحْبَتَنا فلا تُنْكِر عليْنا شيئًا؛ فكلُّها عندنا فروع ثانويَّة!
ولماذا لا نتفق أن نوحِّد المصدر، نتَّبع الرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولا نقدِّم على رأيه رأي من سواه، فنكون جماعة واحدة، ولو اختلفْنا؟
فهتفوا بصوتِ رجُلٍ واحد: لكم شيخكم ولي شيخي، ونحن نثق في شيوخِنا؛ فهم متَّبعون، فإن شئتَ فاذهبْ ناقشهم ولا تصدع الصَّفَّ بيننا.
فلمَّا ضاق صدرُه عن الجدال، سكت على مضض وولاَّهم ظهرَه، ومضى في دعوتِه غيرَ مهتمٍّ، فما وجد حولَه ممَّن هم على دربِه إلاَّ قليلاً.
ومرَّت السِّنون وعرك صاحبُنا الحياة وبقِي - بفضْل الله - على ما عاهد نفسَه عليه من اتِّباع السنَّة، ونفض يدَه ممَّا عدا ذلك، فكلُّ خيرٍ في اتِّباع مَن سلف، وكلّ شرٍّ في ابتِداع مَن خلف، وإنَّ الصَّحابة هم خير القرون، فلا يخالفهم ويتَّبع الظنون.
وحفظ حديث حذيفة12 فظلَّ على العهد والوعد: ((فاعتزِلْ تلك الفرق كلَّها، ولو أن تعضَّ بأصل شجرة، حتَّى يدركَك الموت وأنت على ذلك)).
فاتَّصل به يومًا أحد إخوانه قائلا في حيرة: لماذا اختلفوا؟! وماذا أفعل؟! ولمن أنتمي؟
فابتسم في حنين ومرَّ أمامَه ما مضى من السنين، ثمَّ تنفَّس في عمق وقال:
الاختِلاف سنَّة كونيَّة لا سبيل لدَفْعِها، لكن أدِّ ما عليك، واتَّبِع السنَّة وحْدَها، ولو خالفك من في الأرض.
وانْتَمِ للرَّسول وجماعته ولو عاداك أهل الأرض؛ فالجماعة هي السنَّة ولو كنت وحدك.
و{قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 161].
ــــــــــــــــــــــــــ
1 لمزيد من التَّفاصيل عن أسباب خلاف العلماء، راجع الكتاب الماتِع جدًّا: "رفع الملام عن الأئمَّة الأعلام" لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى.
2 نونية ابن القيّم.
3 انظر مشكورًا مأجورًا غير مأمور: مقدمة "صفة صلاة النبي" للشَّيخ المحدث محمد ناصر الدين الألباني - رحِمه الله تعالى - ومقدّمة صحيح فقه السنة للشَّيخ أبي مالك كمال السيد، ومقدمة فقه السنة للشيخ سيد سابق - رحِمه الله تعالى.
4 البيت للإمام الشاطبي في نظمه الفريد وعقده النضيد: حِرز الأماني ووجه التهاني في القراءات السبع.
5 مسألة خلافيَّة والأوْلى في رأيي التَّرك؛ لأنَّه لو كان خيرًا لسبقونا (أي الصَّحابة) إليه (أي إلى هذا الخير).
6 الزيادة عن مالك بن عوف الأشجعي بإسناد جيّد، ورجاله ثقات في السلْسلة الصَّحيحة.
7 الحوار بالمعنى لا بالنَّصّ.
8 كلّ الطُّرق الصوفيَّة اجتمعت على ضلالة عبادة القبور - وإن سمَّوها بغير اسمها - وتعظيم الأولياء حتَّى ينسبون لهم بعض الصفات الإلهيَّة، ومنهم من لا يزال يقول بوحدة الوجود وأنَّ الله في كلّ مكان - تعالى الله عن ذلك - ومنهم مَن يقول بالحلول والاتحاد؛ بمعنى: أنَّ الله - تعالى عن قولهم سبحانه - يحلّ في شيوخهم، ولا يخفى فساد هذه المعتقدات وأنَّها تخالف ما كان عليه الصَّحابة في فهم القرآن والسنَّة، وكذلك بدع الصوفيَّة ظاهرة في الأوراد والعبادات البدعيَّة التي ما أنزل الله بها من سلطان، بالإضافة إلى ما وقعوا فيه من الفجور والأعمال الشِّركيَّة والَّتي ينفر منها ذوو الألباب.
9 ذكر الله - عزَّ وجل - استواءَه على العرش في سبعة مواضع من القُرآن الكريم.
10 سبحانك ربي، وفوق كلِّ ذي علم عليم، ولو لَم يرجع الطالب لشيخه يتأكَّد ويتحرَّى الصَّواب دومًا لضلَّ وأضلَّ؛ فلا بدَّ من مراجعة أهل العلم والرُّجوع إلى الأصول من مراجع سمعيَّة أو مقْروءة، وهذه مذاكرة نافعة لا يستغني عنها إلاَّ متكبِّر؛ لئلاَّ يطول الأمد فينسى ويقْسو القلب ويضلّ عن الحق.
11 ذكرت الأمور التي تعدُّ علمًا على هذه الجماعات، ولكن هناك أمور أخرى تخالف السنَّة لم أذكرها؛ لأنَّ المراد ليس نقدًا تفصيليًّا بل هو نقد جماعي للتعصُّب لأي كائنٍ وأيّ فئة، سوى السنَّة وجماعة المسلمين ككلّ.
12 حديث حذيفة: كان النَّاس يسألون رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن الخير، وكنت أسأله عن الشَّرِّ؛ مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنَّا كنَّا في جاهليَّة وشرّ، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: ((نعم))، قلت: وهل بعد ذلك الشَّر من خير؟ قال: ((نعم، وفيه دخن))، قلت: وما دخنُه؟ قال: ((قوم يهدون بغير هدْيِي، تعرف منهم وتنكر))، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: ((نعم، دعاة على أبواب جهنَّم، مَن أجابهم إليها قذفوه فيها))، قلت: يا رسول الله، صفْهم لنا، قال: ((هُم من جلدتنا، ويتكلَّمون بألسنتنا))، قلت: فما تأمرُني إن أدركني ذلك؟ قال: ((تلزم جماعة المسلمين وإمامَهم))، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: ((فاعتزل تلك الفرق كلَّها، ولو أن تعضَّ بأصل شجرة، حتَّى يدركك الموت وأنت على ذلك))؛ متَّفق عليه.
قلت: ومن عجيب لفظ الرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - قوله: تلك الفرق، قبل أن يفترقوا!