عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : [ 2  ]
قديم 2010-02-01, 9:32 AM
يمامة الوادي
عضو متميز بالمنتدى
الصورة الرمزية يمامة الوادي
رقم العضوية : 7644
تاريخ التسجيل : 19 - 6 - 2005
عدد المشاركات : 43,494

غير متواجد
 
افتراضي
أمَّا الصدمة الأولى فكانت عندما نظر أخونا في حال الأمَّة وما تفرَّقت فيه من أحزاب، كلّ حزب بما لديهم فرحون، وكان المسكين معتمِرًا إلى بيت الله الحرام فزار المدينة قبلَ مكَّة، ودخل المسجِد مبهورًا مشدوهًا تحفُّه السَّكينة وتتغشَّاه الرَّحمة، حتَّى إنَّه صلَّى الظُّهْر قبل أن يؤذَّن أو يقام له! فتلفَّت حوله عندما سمع الأذان وتساءَل في حيرة: أهو أذان العصْر أم الظُّهر؟ وجعل يتعجَّب من عقارب السَّاعة.

فلمَّا أعْيته الحيرة سأل جالسًا بجواره: السَّلام عليكم، هذا أذان الظهر أم العصر؟(بلغة ركيكة): الظهر.



بعد الصَّلاة نظر لِمَن سأله متعجِّبًا مشدوهًا، هذا رجل أعْجمي مثلما بدا من ردِّه عليه، فكيف يمسك بكتاب الله ويقرأ؟! هل يقرأ العربيَّة؟ لم يترك صاحبنا نفسَه نهبًا للفضول وسارع بالسؤال والتعرُّف على هذا الأخ من باب: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [الحجرات: 13].


أنت تحسن تقرأ العربية؟
لا.

وكيف تقرأ القرآن؟
القرآن فقط!

ممكن أسْمعك وأنت تقرأ (بانبهار).
فقرأ قليلا ثمَّ ختم قراءتَه قائلا: صدق الله العلي العظيم.
فسكت صاحبُنا ولم يقل مثلَه.

سأله الآخر بلغتِه الرَّكيكة:
لماذا لم تقل: صدق الله العليُّ العظيم؟
(في حرج): سمعت أنَّها بدعة5
لماذا؟ لأنِّي قلت العلي؟
(في حيرة): لا فرق.

أنا أعْني بالعلي الله، ولا أقصد عليَّ بن أبي طالب.
(في حرج): لم أفهم أنَّك تقصد عليَّ بن أبي طالب؛ بل فهمت أنَّك تقصد الله.

صمْت يسير، ثمَّ قال أخونا الأعْجمي الذي لا يحسن العربية (ورحمة بالقارئ سأترجم الحوار مباشرة، علمًا بأنَّه دار بعبارات تجمع أرْبع لغات تقريبًا: العربيَّة والإنجليزيَّة والفرنسيَّة والأردية).

سأل الأعجمي أخانا عن بلدِه، فلمَّا أخبرَه، قال له وهو يهزُّ رأسَه أسفًا:
أنتم يدرسون لكم التاريخ خطأ.
(مبتسمًا): أكيد كلّ شيء عندنا لا بدَّ فيه من الخطأ.

يدرسون لكم أنَّ خلافة أبي بكر وعمر صحيحة!
صاحبُنا لم يفهم، فهو مازال على فطرتِه وسذاجته، فواصل الحوار محاوِلاً أن يفهم معنى العبارة السَّابقة، وبعد أربع ساعات من الصداع، سألَه أخونا السَّاذج:
أنت تعني أنَّ سيِّدَنا أبا بكر وسيِّدَنا عمر في النَّار؟

فابتسم الخبيث وفرك كفَّيه في سعادة (أخيرًا فهم الساذج!) وقال: نعم.
فتمعَّر وجه صاحبِنا غضبًا وهزَّ رأسَه نفيًا في ثقة، وقال: بل هُما في الجنَّة.

ظهر الإحباط جليًّا على وجه الآخر، وحاول أن يناقشَه فصدَّه صاحبُنا، وهذا ما ينبغي أن يفعلَه كلُّ مَن ليس له عِلم إذا وجد نفسَه في مصيدة المبتدعة.

لكنَّ صاحبَنا لم يسكت، دار في الحرم النَّبويِّ كاللَّيث يبحث عمَّن يجيب أسئلتَه، حتَّى وجد ضالَّته، فجلس إليه وهو لا يستطيع أن يتأدَّب بأدب طالب العلم، ممَّا يجيش في صدرِه من النِّيران المستعِرة غضبًا.

وكان الشَّيخ في غاية الحِلْم، يتركُه يُفرغ غضبه ثمَّ يجيب عن أسئلته بأوْسع ما عنده من عطاء الصبر.

وفهم أخونا في يومِه هذا أنَّ هناك فرقًا تنتسِب للإسلام، تسمَّى خوارج، وأخرى تسمَّى شيعة، وثالثة تسمَّى زيديَّة، ورابعة تسمَّى صوفيَّة، وهكذا ..!


سأل الشيخ متحيرًا: كيف حدث هذا الافتراق؟
فقال الشَّيخ بصبره وحلمه: هذا ما أنذرنا الله تعالى وحذَّرنا أن نتبعه؛ فقال تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [الروم: 31 - 32]، وقال تعالى آمرًا نبيَّه بالبراءة منهم: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [الأنعام: 159]، وحذَّرنا منه الرَّسولُ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقةً، فواحدة في الجنَّة، وسبعون في النَّار، وافترقت النَّصارى على اثنتَين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعون في النَّار وواحدة في الجنَّة، والَّذي نفس محمَّد بيدِه، لتفترقنَّ أمَّتي على ثلاثٍ وسبْعين فرقة؛ فواحدة في الجنَّة، واثنتان وسبعون في النَّار))؛ صحَّحه الألباني في "السلْسلة الصَّحيحة" من حديث عوف بن مالك الأشجعي.

وفي رواية: قيل: يا رسول الله، من هم؟ قال: ((هم الجماعة))6.

وقد جعل الرَّسول - صلَّى الله عليْه وسلَّم - كلَّ أمر يخالف أمره مردودًا على صاحبِه، فقال: ((مَن أحدث في أمرِنا هذا ما ليس فيه فهو ردّ))؛ متَّفق عليه.
فهذا الافتراق يا بني، عَلَمٌ على صدق النبوَّة، فعليك بهدْي السَّلف؛ فإنَّ الرَّسول - صلَّى الله عليْه وسلَّم - قال: ((خيرُ النَّاس قرني، ثمَّ الَّذين يلونَهم، ثمَّ الَّذين يلونَهم))، فلا أدْري في الثَّالثة أو في الرَّابعة قال: ((ثمَّ يتخلَّف من بعدهم خلف، تسبِق شهادة أحدهم يَمينه، ويمينه شهادته))؛ متَّفق عليه من حديث ابن مسعود - رضي الله عنْه.

فما وسعهم وسِعَنا وهم خير منَّا، ولو كان ثَمَّ خيرٌ لسبقونا إليه، وفي حديث العرباض بن سارية عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((أُوصيكم بتقْوى الله، والسَّمع والطَّاعة، وإن أمّر عليكم عبد حبشي، فإنَّه مَن يعِشْ منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليْكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء المهديِّين الرَّاشدين، تمسَّكوا بها، وعضُّوا عليها بالنَّواجذ، وإيَّاكم ومحْدثات الأمور؛ فإنَّ كلَّ محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة))؛ صحيح الجامع.

ومن توفيق الله للحدث والأعجمي أن يقيِّض له صاحب سنَّة يعلمه السنَّة، ويرشده إلى طريق الحق.

ثمَّ قال له الشَّيخ في تصميم: قال ربُّ العزَّة - سبحانه -: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115].
فعليك بسبيل المؤمنين وهم السَّلف الأوائل، فكلُّ خيرٍ في اتِّباع مَن سلف، وكلُّ شرٍّ في ابتِداع مَن خلف7.

الصدمة الثانية (تابعة للصدمة الأولى):
ربَّما بعد هذه الأحداث التي مرَّ بها صاحبُنا ظنَّ أنَّه لن يدهشه شيءٌ في هذا العالم الغريب، لكن لَم يلبَثْ أن طلب العلم وتصدَّر - وهو بعدُ حدَث - لدعْوة النَّاس لأمر واحد: اتِّباع السنَّة بفهْم الصَّحابة وترْك ما عداها.

فلمَّا تحدَّث مع بعض الإخْوة في يوم، قال: عليْنا باتِّباع السنَّة ولا نتَّبع الفرق الضالَّة، من صوفيَّة وأشعريَّة وشيعة، فإنَّنا أهل سنَّة وجماعة، فنلزم جماعة الصَّدر الأوَّل من المؤمنين، وهم السَّلف الصَّالح.
فبعد أن أنْهى حواره أخذه أخٌ في ناحية، وابتسم في ودٍّ شديد لم يرَه الأخ من قبل ولا ظنَّ أنَّه سيراه، وقال له: لماذا قلتَ إنَّ الصوفية فرقة ضالَّة؟! ثمَّ راح يعدِّد حلاوة الصوفيَّة وجمال الصوفيَّة وروْعة الطرق الصوفيَّة، ووحدة وجود الصوفيَّة وفناء الصوفيَّة وقبور الصوفيَّة، وأولياء الصوفية الذين يَمشون في الهواء8!

فردَّ عليْه بما فتح الله عليْه، وكان ممَّا قال بثقة:
هل كانت الصوفيَّة على عهد النَّبيِّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم؟
فتحيَّر الأخ الودود.

فردَّ على سؤال نفسه بثقة: لا، لم يكونوا، وأنا على ما كان عليْه النَّبيُّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - وأصحابه، يسعُني ما يسَعُهم ويضيق عليَّ ما ضاقوا به ولم يسعْهم، وأقول لك - أي صديقي -: إنَّ الله تعالى مستوٍ9 على عرْشه كما قال سبحانه: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]، وأولياؤُك المزْعومون لا أقبل منهم إلاَّ ما وافق الكتاب والسنَّة، ولو طاروا في الهواء ومشَوا على الماء، فليسوا أحبَّ إلى الله من النَّبيِّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم – والصحابة، ولو كان ثمَّ قبر يستحقُّ العبادة لكان قبر النَّبيِّ - صلَّى الله عليْه وسلم - ولكنَّه نهى عن ذلك فقال: ((لا تَجعلوا بيوتَكم قبورًا ولا تَجعلوا قبري عيدًا))؛ صحَّحه الألباني في صحيح أبي داود، وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لعنة الله على اليهود والنصارى، اتَّخذوا قبور أنبيائهم مساجد))؛ متفق عليه واللفظ للبخاري.

ولم يعدم صاحبنا من شبهات رغْم أنَّه ردَّ عليها بثقةٍ، غير أنَّه احتاج للرجوع إلى شيخه10.




توقيع يمامة الوادي




هل جربت يوماً اصطياد فكرة رائعة !؟
لـتـصوغـهـا فـي داخـلـك
وتـشحـنهـا بنبض قـلـبـك
وتعـطرهـا بطيب بروحك
وتسقـيـهـا بمـاء عـرقـك
حتى تنضج وتصنع منك إنساناً مبدعاً ؟