![]() |
مقتطفات من سورة الحاقة
قوله تعالى :"والملك على أرجائها"
إعداد وتقديم : الشيخ الدكتور : سلمان بن فهد العودة يقول ربنا – سبحانه- : ( والملك علي أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ) ( يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية ) ..إذاً كل هذا الهول وهذا الدكة وهذا الجمع وهذه التغيرات الهائلة المقصود بها أنت ؛ لهذا قال : ( يومئذ تعرضون ) يعرضون علي ربهم – سبحانه - :( لا تخفي منكم خافية ) ؛لأن الله ( يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) ، فكما لا تخفي عليه منكم في الدنيا خافية ، فكذلك في الآخرة لا تخفي عليه خافية... ومن معاني الآية الكريمة أن ماكانوا يخفونه في الدنيا يُظهره الله - تعالى - يوم القيامة فلا يخفي علي الله منهم شىء ، كما قال - سبحانه - : ( يوم هم بارزون لا يخفي علي الله منهم شىء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ) ..قال - سبحانه - : ( فأما من أوتي كتابه بيمينه ) ..يعني بيده اليمني ، واليمني هي علامة اليمن والبركة والفأل ، والأمر علي ظاهره أن المؤمنين يأخذون كتابهم ؛ كتاب أعمالهم بيدهم اليمنى ( فأما من أوتي كتابه بيمينه ) ( وأما من أوتي كتابه بشماله ) ، وفى آية أخرى ( وأما من أوتي كتابه وراء ظهره ) ، فهذا هو الذي أوتي كتابه بشماله أوهو شرمنه أيضا يعني أن الكافرين علي درجات ودركات ( فأما من أوتي كتابه بيمينه ) ، هنا عرض ... عرض ليس فيه حساب ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : " من نُوقِش الحساب عُذِّب " ، وإنما تعرض عليه أعماله عرضا خفيفا ، وتستر عليه فذكر بأعماله وحسناته وذنوبه أيضا أتذكر ذنب كذا ؟ أتذكر ذنب كذا ؟ لايستطيع أن ينكر منها شيئا ، فيقول الله له: أنا سترتها عليك في الدنيا وأنا أرصدها لك اليوم ، ثم يعطي كتاب حسناته بيمينه ..فهذا الذي أعطي كتابه بيمينه فاز.. أخذ الشهادة فهو يتحدث بفرح وسرور ، وكأن ما في الدنيا غيره والدنيا ما تسعه من الفرحة : ( هاؤم اقرءوا كتابيه ) ..يعنى لأنه فرح مسرور يريد من الناس أن يشاركوه هذه الفرحة ، وتتذكر الأطفال الصغار لما يأتون من مدارسهم - مع البون الشاسع - بالشهادات وقد فازوا بها ، وكل من لقوه من قريب أو حبيب أو أحد ظنوا أن الهم الوحيد عند الناس كلهم هو أن فلانا نجح فيقول.. " شوف يا عم الشهادة ، تفوقت ، فزت بها " ..هنا حوله الناس بعفويتهم وصراحهم يعبرون عن هذا الفرح أن صاحب الكتاب الذي أخذه باليمين كل من رأي من المؤمنين وإلا فالله - سبحانه وتعالى - ذكر أن الناس كل أحد مشغول .. يفر من أخيه ، وأمه وأبيه ، وصاحبته وبنيه ، ويود أن يفتدي من العذاب بأقرب الناس إليه... لكن المؤمنون غير الأمر مختلف فيأخذ الواحد منهم كتابه باليمين وكل ما رأى أحدا من إخوانه أو قرابته من المؤمنين والمسلمين شركاء الطريق وشركاء المصير يريهم فضله ( هاؤم ).. وكلمة هاء تنبيه ، وهي يعني للتأكيد "هاؤم".. يعني خذوه ، انظروه اقرءوه ( اقرءوا كتابيه ) مبسوط يحق له ذلك ؛ لأن الفوز الأبدي ( هاؤم اقرءوا كتابيه ) هذا كتاب أعمالي.. كتاب حسناتي.. ويعطي تفصيل :( إني ظننت أني ملاق حسابيه ) .. يعني كان يظن يؤمن بيوم الدين ، ويقول أيضا ظننت أنني سوف ألقى من الله – تعالى- هذا الحساب اليسير ..ليس من باب حسن الظن بالنفس ، ولا من باب الإدناء بالعمل ، ولا من باب الإعجاب... لا ، وإنما من باب حسن الظن بالله ؛ ولهذا النبي -صلى الله عليه وسلم - يقول : " لايموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله -عز وجل - يحسن الظن بالله " ، فالله - عز وجل – يقول : " أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء " .. فهذا يقول ( هاؤم اقرءوا كتابيه ) الكتاب من الأعمال الصالحة الموجودة فيه أنه ظن أنه ملاق حسابه ؛ ولهذا يقول : ( إني ظننت أني ملاق حسابيه ) يعني ألاقي مثل هذا الحساب وأيضا فيها معنى ثان.. إني خفت من سوء الحساب .. كان بين الخوف وبين الرجاء ؛ ولهذا سبحان الله ! كلمة ( ظننت أني ملاق حسابيه ) تحتمل المعنيين : تحتمل إنه خاص إذا هو آمن بالبعث يقينا هذا يقين وليس ظنا .. يخاف كان مترددا بين الخوف والرجاء ، فعنده حسن ظن بالله ، وعنده سوء ظن بعمله ؛ ولهذا قال – سبحانه – :( والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلي ربهم راجعون ) وقال – سبحانه - : ( والذين هم من عذاب ربهم مشفقون ) ، فجمع الظن هنا بين الخوف والرجاء ( أني ملاق حسابيه ) ..قال - سبحانه - فهو يخبر عنه الآن ( فهو في عيشة راضية ) الكلام عن فرد.. عن شخص واحد - وإن كان يشمل كل من سبقت لهم من الله الحسنى - : ( في عيشة راضية ) مرضية .. يعني ولكن العيشة نفسها راضية... راضية بصاحبها ، وصاحبها راض بها، وكأن الرضا انتقل من الشخص نفسه إلي العيشة ، فأصبحت العيشة نفسها عيشة راضية ، وهذا معناه أن الإنسان لما يكون مرفَّها منعَّما مبسوطا في سكنه ، وفي وظيفته وصحته ، وزوجته وأولاده وأموره كلها ..يقول والله عندي الحياة راضية في رضا يعني ( فهو في عيشة راضية في جنة عالية ) وصفها بالعلو... علو المكان عند الله - تبارك وتعالى - في السماوات وعلو الصفات وعلو القدر ..علو أصحابها ( لايسمعون فيها لغوا ولا تأثيما ) . وقد يوجد في الدنيا جنان عالية ..أهل الدنيا غالبا يضعون الجنان والبساتين والقصور الفخمة في مكان مرتفع ؛ حتى يرى الواحد منهم كل جنته ويرى غيرها من خلالها ، كما قال – سبحانه -: ( كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين ) ، لكن فرق وشتان بين جنة بربوة في الدنيا ، وبين الجنة العالية ، كما يقول النبي - صلى الله عليه وسلم- : " إن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجة والأخرى مسيرة كما بين السماء والأرض ، كما بين السماء والأرض أعدها الله للمجاهدين في سبيله " ..هذه درجات أصحاب الجنة أو هذه درجات أصحاب الجهاد في سبيل الله في الجنة ، فما بالك بأصحاب الجنة ؟ ما بالك بالأنبياء والمرسلين ، والصديقين والسابقين ، والشهداء والصالحين ؟ ( في جنة عالية قطوفها دانية ) .. شوف مع أنها عالية ( قطوفها دانية ) يعني قريبة يتناولها وهو قاعد أو مضطجع ، أو قائم أو ماشي .. والقطف هو مايقطف من الثمرة ، إذا أراد قطفها دنا منها ( قطوفها دانية ) يقال لهم يعني ..إذاً الجنة عالية لمكانها وقدرها وصفاتها ، ومع ذلك فيها هذه الألوان من النعيم ، ومن أعظم النعيم الكلام الذي يسمعونه ..يقال لهم : ( كلوا واشربوا ) تكريم.. أمر لهم أمر تكريم ؛ لأن الآخرة ما فيها تكليف ( كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية ) ..وشوف الخطاب هنا بدل ما كان واحد ( فهو في عيشة راضية) هنا قال : ( كلوا ) كأن كل واحد منهم كان يضيَّف ضيافة خاصة ويرحَّب به ترحيبا خاصا ، فإذا دخلوا الجنة كلهم وتكاملوا كان الخطاب لهم جميعا بالتحية ( كلوا ) ، مثل الإنسان إذا استقبل ضيوفه ويكرمهم واحدا واحدا ويجلسهم - ولله المثل الأعلي - ثم إذا تجمعوا قال لهم : تفضلوا ..حيَّاكم الله . |
( كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم ) .. ولله الحكمة البالغة وله المثل الأعلي في السماوات والأرض ( كلوا واشربواهنيئا ) يعني ..طيبا لا يخالطه همٌّ ولا غمٌّ ولا كدرٌ ولا وجع ولا مرض ولا تكدير، كعادة الأكل في الدنيا .. يعني مهما طاب الطعام في الدنيا تفسده التخمة والشبع وأمراض البطن ، وأغلب العلة الداء من البطن ،كما يقول يعني " فإن الداء أكثر ما تراه يكون من الطعام أو الشراب ".. هنا قال لهم : ( هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية ) إشادةً بعملهم ، ولا شك أنهم دخلوا الجنة برحمة الله ، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إلا أن يتغمدني الله برحمته " ، ولكن أعمالهم جعلتهم أهلا لهذه الرحمة ؛ فـ( رحمة الله قريب من المحسنين ) .. وفي ذلك تذكير بالعمل ، وأن أهل الجنة دخلوها بأعمالهم ، وأهل النار دخلوها بأعمالهم.. قال :( بما أسلفتم في الأيام الخالية ) مضت ، مضي التعب والعناء وبقي الأجر ، ومضت اللذة .. مضت اللذة ، وبقي الإثم ..إن أهنى عيشة قضيتها ذهبت لذتها ، والإثم حل وبقي .
وأما القسم الثاني : ( وأمامن أوتي كتابه بشماله فيقول ياليتني لم أوت كتابيه ) بمجرد ما يؤتى الكتاب بالشمال ..هذا علامة علي الكفر ، والخيبة والخسران فهو يقول : ( ياليتني لم أوت كتابيه) ليتني من دون هذا الكتاب ؛ لأنه يشعر بالعار والخزى من حمل هذا الكتاب والخسار.. يقول :( ولم أدرِ ما حسابيه ) ..ياليتني لم أعرف هذا الحساب ، ولم أُخلق ولم أُوجد ( ياليتها كانت القاضية ) الموت ليته كان القاضي عليه ولم أبعث.. ياليتني كنت ترابا يعني مدفونا في التراب ، هو لا يطمع في مصير المؤمنين - مثلا - ولا يتمناه ؛ لأنه كما قال - سبحانه - : ( وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل ) هو يتمني الخلاص فقط .. الخلاص يتمني أن يكون حجرا أوشجرا ( ما أغني عني ماليه ) إذاً هو كان عنده مال في الدنيا والدليل أنه يقول ( ما أغني عني ماليه) ما نفعني بشىء ( هلك عني سلطانيه ) كان عنده سلطان أيضا..له رئاسة ، وله جاه ومنصب ، لكن ما نفعه . وطبعا من معاني السلطان قد يكون من معانيه : الحجة ، فهو يقول ذهبت عني حُجتي فلا حُجَّة لي في ذلك اليوم ؛ لأن الحجة قد قامت عليَّ .. يقول - سبحانه – للملائكة : ( خذوه فغلوه ) كي يبتدرون إليه ؛لأن هذا أمر إلهي ينفذ فورا من دون إبطاء ولا تأخير ( فغلوه ) يعني ضعوه في الأغلال التي يُقيَّد بها ، يغل بها يداه ورجلاه ورقبته ( ثم الجحيم صلوه ) الجحيم أعلي دركاتها وأسفل دركاتها .. ضعوه بها يصلاها ( ثم الجحيمَ صلُّوه ) ليعانيها ويقاسيها في كل ذرة منه ، ثم فوق ذلك العذاب ( في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا ) هذه السلسلة منصوص عليها في القرآن الكريم من عند خالقها - سبحانه - وذراعها معروف ( سبعون ذراعا ) بذراع مَن ؟ ماهو ذراعي ولا ذراعك مما يعلمه الله ..يقال بذراع الملك ، ويقال غير هذا ، والمقصود هنا ليس أن يتجادل الناس هل سبعون ذراعا يقصد بها حقيقة أنها سبعين ؟ .. يعني ليست ثمانين ولا ستين ، أو أن المقصود أن أذرعها طويلة جدا ، مثل ما قال : ( إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ) هذا ممكن وهذا ممكن ، وأيضا هل هو بذراع الإنسان ؟ أم بذراع الملك ؟أم بما شاء الله ؟.. المقصود هو الاعتبار ( ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه ) ..يعني أن هذا الإنسان تلُف عليه هذه السلسلة حتي تحيط به من كل جانب ، فلا مطمع له في خلاص منها .. لماذا ؟ لأنه قيد نفسه بأغلال الشهوة ، أو أغلال التبعية ،أو أغلال الهوى ، أو أغلال التقليد ، أو أغلال المال ، أو أغلال السلطان ، وغفا عن ربه فكان الجزاء من جنس العمل ( إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ) فى دار الدنيا ، وقال: ( لا يؤمن بالله العظيم ) إشارةً إلي عظمة الله - سبحانه وتعالى - وعِظَم الجرم بالكفر بالله ( إذ تدعون إلي الإيمان فتكفرون ) . ( ولا يحض علي طعام المسكين ) ننظر كيف قارن بين الإيمان بالله العظيم .. ترك الإيمان وبين ترك إطعام المسكين للتأكيد علي المعاني الإنسانية بهذا الدين وتكريسها ، وأن الإيمان من تجلياته وآثاره الشفقة علي الضعفاء والمساكين ، والأيتام والأرامل ، والأيامي واليتامي ، والضعفاء والمعوزين ، وليس احتقارهم أو ازدراءهم أو نهب حقوقهم ..هذا من أعظم علامات وصفات الإيمان ، أما أن تجد اليوم أن البلاد التي أهلها أهل إسلام .. الحقوق مسلوبة والخصائص منهوبة ، والعدوان علي قدم وساق ، ولا يستطيع الكثير من الناس أن ينتصروا ، بينما تجد في أمم أخرى ليس عندها ذلك الإيمان ، ولكن مصالحها الدنيوية جعلتها تدرى أن المحافظة علي حقوق الناس سر بقاء الدنيا وقوامها ، فسلكوا إلي ذلك سبيلا فإن هذا أمر مؤذن بشر مستطير ، ويُوجِب علي كل داع وخطيب ومربّ ومصلح أن يدرك أنه كما ندعو الناس للإيمان بالله العظيم ونذكرهم به ، ينبغي أن نذكرهم ونحرضهم أبدا بالحفاظ علي حقوق المساكين والصغار ، كما قال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لما ذكرت له بعض أمهات المؤمنين ما رأته بالحبشة من أن شابا مراهقا دفع عجوزا كانت تحمل شيئا علي ظهرها ، فسقطت وقامت وقالت له : سوف تعلم يوم القيامة إذا جاء الله -تعالى - لفصل القضاء ماذا يكون جزاؤك ؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " صدقت صدقت لا قُدِّست أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غيرَ متعتع " ..يعني ما يتلجلج ولا يتلعثم لسانه ؛ لأنه يخاف من الكبير أو من الرئيس ، أو من المسئول أو من المدير ، وإنما يأخذ حقه وهو مرتاح ؛ لأن النظام يحميه والمجتمع يحميه ، فمن هنا قال – سبحانه - : ( إنه كان لايؤمن بالله العظيم ولا يحض علي طعام المسكين ) ، ولم يقل : ولا يطعم المسكين بل عابه بشىء أكثر من مجرد الإطعام .. يعني ممكن يطعم ، ولكنه ما يحض .. لا يحض علي طعام المسكين . ممكن يكون الإنسان ما عنده شىء ..طيب علي الأقل تحرض الناس أو تكون واسطة بين المسكين وبين من يمكن أن يطعمه ، وليس المقصود أفرادا فقط وإنما أن يكون المجتمع بمؤسساته.. بجمعياته الخيرية .. بوسائل الإعلام .. بكل الطرق الموجودة .. بالأنظمة والقوانين .. بالشركات .. بالتجار .. بالأغنياء .. بالأثرياء .. بالمسئولين كل واحد عنده جهود لإيصال الحقوق للفقراء والمساكين والمعوزين والمحتاجين ويعتبر هذا ليس منة ، وإنما هو حق .. حق معلوم . |
بارك الله فيك
جعلنا الله واياك من اهل اليمين. احزان قلبي الن تزول حتى ابشر بالقبول وألقى كتابي باليمين وتقر عيني بالرسول |
شكرا لمرورك
|
جزاك الله خيــــــــــ{ ــر}
|
شكرا ..
جزآكـ الله كل خير .. |
شكرا لمروركم
|
جزاك الله الف خيرآ وجعله بميزان حسنات يارب
|
الله يسلمك
|
الساعة الآن 4:21 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2025, Jelsoft Enterprises Ltd.
TranZ By World 4Arab