![]() |
في رياض سير الصحابة
في رياض سير الصحابة = = حين تبحر في رياض سيرة أصحاب رسل الله رضي الله عنهم ، تقف على ألوان من عجب ، في دوائر متنوعة من السلوكيات الراقية ، والأخلاق العالية ، حتى ليخيل إليك أن محمداً صلى الله عليه وسلم ، نجح بامتياز في تربية هؤلاء الناس ، تربية تلحقهم بالملائكة البررة الكرام ! وترفعهم عن أهل الأرض ، وتجعلهم متميزين غاية التميز ، يكاد الواحد من هؤلاء يمشي على الأرض بين الناس ، أشبه ما يكون بالضيف قدم عليهم من السماء !! والعجب أنهم هم أنفسهم كانوا قبل أن يسبكهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على هذه الصورة البديعة ، كانوا قبل ذلك في ضلال مبين ، في مناحٍ كثيرة من مناحي الحياة .. فما أشبههم بالميت ، دبت فيه الحياة فجأة ، فمضى في دنيا الناس متألقاً كأنه الشامة في وجه الدنيا !! قال تعالى : ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) .. واختيار التنكير هنا ووصفه ( ضلال مبين ) لحكمة بليغة ، لتضع بين عينيك ألوان من صور الضلال التي كان يعيش في أتونها هؤلاء ..! ثم أحياهم الله على يد محمد صلى الله عليه وسلم .. وتبحث عن سر هذا التغيير ، وتنقب وتفتش ، وتتأمل وتتدبر ، حتى يوفقك الله سبحانه إلى أن تضع يدك على عدة مفاتيح ، كان لها بالغ الأثر في هذه النقلة الهائلة ، التي حدثت في حياتهم ، حتى جعلت كل واحد منهم ، كأمة من الناس ..! ومن أجل وأروع وأقوى هذه المفاتيح : صحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم .. وأثر الصحبة لا يخفى ، وأثر القوة الروحية للصاحب على صاحبه الملازم له ، لا يحتاج إلى تدليل ، فكيف إذا كان هذا الصاحب هو رسول الله صلى الله عليه وسلم !؟ وقديما كانوا يقولون : الصاحب ساحب .. فإن كان إنساناً ينضح خيراً ، فإنه يشد صاحبه إلى سماء السماء ..! وإن كان العكس فبالعكس ! ومن تلك المفاتيح : قوة التوحيد التي غمرت قلوبهم ، وتشبعت بها أرواحهم ، والتي أخذ القرآن يغذيهم بها بشكل متتابع ، وفي المقابل كان يترجمها على أرض الواقع المعاش رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلم تعد قلوبهم تلتفت إلى شيء سواه سبحانه ، ولا تتعلق بأحد غيره ، ولا تخاف ، ولا ترجو قوة غير قوته ، ولا تذل نفسها إلا له ، ولا تخشى إلا منه ، ولا تعمل إلا له ، ولا تطمع إلا في رضاه عنها .. لقد تشربت قلوبهم أنه لا محيي ولا مميت ، ولا رزاق ولا مانع ، ولا معطي ، ولا ضار ولا نافع إلا الله وحده ..: وكل شيء سواه لا يقوم بنفسه ، بل يعتمد في قيامه وقوته وغناه على الله رب العالمين ..! فهو المسبب لكل شيء ، خالق كل شيء ، موجده من عدم ، وممده بعد عُدم ، وكل الأسباب مهما علت أو دقت ، إنما تعمل في إطار المشيئة ، فإن شاء أطلقها ، وإن شاء عطلها .. فعلامَ الالتفات إليها إذن ..!! فكل ما خلا الله سبحانه باطل ، والتعلق به أبطل الباطل !! ( ..قُلِ اللّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ) .. ومن تلك المفاتيح : التعلق الكامل باليوم الآخر ، والشوق الجارف للانتقال إلى مباهج ونعيم تلك الدار .. فأصبح الواحد منهم كل همه محصوراً في طلب الآخرة ، ورضوان من الله أكبر ، لم يعد لهم رغبة في غير ذلك ، ولا همة إلى سوى ذلك ، ما يقربهم من تلك الغاية بادروا إلى فعله ولو شق على النفس ، بل ويتنافسون في هذا المضمار بشكل يدعو للعجب .. وفي المقابل : كل ما يبعدهم عن هذه الغاية ينفرون منه ، ويحذرون منهم ، ويتحاشون الوقوع فيه ، فأصبحت حياتهم كلها مقصورة على هذا الهدف ، بل أصبحت الآخرة نصب أعينهم ، كأنهم يرون مباهجها ونعيمها ..! كل تصرفاتهم وسلوكياتهم وحركاتهم وسكناتهم تتمحور حول طلب الآخرة والشوق إليها ، وتحصيل رضوان الله عنهم .. وكأنهم النقلة إلى هناك غداً أو بعد غد ليس أكثر ..! بل كان بعضهم يقول : ما رفعت قدما ، إلا وأنا أحسب أن لن أضعها إلا في الآخرة ..! فأثمر لهم هذا يقظة قلب ، ورفرفة روح ، وزكاة نفس ، وعلو همة ، ودقة ذوق ، ورقي سلوك ، وحلاوة منطق ...الخ وإنك لتجد أثر هذه المفاتيح في أي إنسان صادق ، على مدار التاريخ ، بشرط أن يتشربها قلبه ، وتتفاعل معها روحه ، وتصبح نصب عينيه . لاسيما قضية التوحيد ، والتعلق باليوم الآخر ، أما ما يتعلق بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيقوم مقام هذا الأمر أن تصحب سيرته وتترجمها ، وتعيش معها ، وتجعل لسانك وقفا لله سبحانه ، وتجعل همتك كلها متجهة إلى طاعة الله سبحانه فرائض ونوافل .. فإذا أنت نجم يتلألأ ! ففي الحديث الشريف : " من عادى لي وليا آذنته بالحرب .. وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه .. ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ...الخ بو عبد الرحمن |
جزيتي خيرا عزيزتي
|
الله يسلمك
|
الساعة الآن 11:08 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2025, Jelsoft Enterprises Ltd.
TranZ By World 4Arab