منتديات موقع بشارة خير

منتديات موقع بشارة خير (https://www.22522.com/vb/index.php)
-   منتدى الإرشاد الأسري والنفسي (https://www.22522.com/vb/forumdisplay.php?f=23)
-   -   نورة وإرادة التغير (https://www.22522.com/vb/showthread.php?t=67092)

يمامة الوادي 2008-06-27 2:51 AM

نورة وإرادة التغير
 
نورة وإرادة التغير
مها عبدالرحمن سالم


--------------------------------------------------------------------------------

أَلْفَيتُها على غير عادتِها الصاخبة المرحة المتجاهلة ما حولها، فقد كانت في ذلك اليوم هادئةَ المِزاج، مستقِرةَ الملامح.

فاجأتْني فِعلاً تلك الفتاةُ العنيدة بقولها: أريد أن أتغير!

قالتْها باقتناع تامّ، وسرّ المفاجأة أن (نورة) رأيها هو الصواب مهما يقال لها من حُجج، ومن براهين، وهي على حقّ دومًا، على استعداد بأن تتجاهل أيَّ شخص يُدلِي لها برأي يخالف أفكارها الشبابية!!

لا يُحلِّق بكمُ الفِكر بعيدًا جدًّا، فنورة فتاة طيِّبة، ولكنها تمرُّ بمرحلةٍ حادَّة؛ وهي مرحلة جهاد حقيقيّ مع النفس؛ فقد لاحظتْ على نفسها بعض القسوة في التعامُل مع مَن حولها، وأرَّقها أنها لا تُحِسُّ بالآخرين، على حدِّ ظنِّها.

يُعجبني في نورة انطلاقَتُها، وهِمَّتُها، ومَوْهبتُها في الإنشاد، والإبداع، والتصميم، والإلقاء، وأشدُّ ما يعجبني (عنادُها)، و(صراحتُها)!!

فأمَّا صراحتها فهذا يعني بالتأكيد شجاعتَها الأدبية، ويعني كذلك أنها لا تحمل الحِقْد، فهذه نقطةٌ تُحْسَب لها؛ ولكن ربما يَتَسَلَّلُ شَيْءٌ منَ القسوة في أُسلوبها، مما قد يَجْرَح الآخَرَ دون قَصْد منها.

وأمَّا عِنادها ورغبتها في الاقتناع قبل أن (تفعل) أو (لا تفعل) ما يُطلَب منها؛ فهذا يؤكد أنها ليست صَيْدًا سهلاً لصاحبات السُّوء، أو لأيِّ فكرة أو مبدأ يغدو ويروح!!

ما لم أَقُلْه بعدُ: أن نورة نشأتْ في أكناف القرآن؛ فهي حافظة لكتاب الله تعالى ولم تتجاوز الخامسةَ عَشْرَةَ مِن عُمْرها!

كذلك نورة قارئةٌ نَهِمَةٌ، تقرأ في كل فنٍّ مفيد، تلتقط روائع المكتبة الإسلامية، وتتجوَّل في روابي الأدب الهادف السليم، فتبحث عن كتابات الرافعيّ والمنفلوطيّ والطنطاويّ، وتسأل عن كل كتاب نافع مفيد، وتتخيَّر منَ الأدب ما يضيف لها متعةً وفائدة، وهذا البُعد في شخصيتها يُضفِي عليها هالة مِنَ التَّميُّز بفضل الله تعالى، وهذا مما يساعد على التغيِير نحوَ الأفضل دومًا، فكم من كتاب كان نقطة تحول في حياة إنسان!

يا نورة، أُؤمِن تمامًا بسُنَّةِ التغيِير؛ وبأنَّ الإنسان يمكن أن يتبدَّل حالُهُ؛ مِثْلَما أُوقِن رأيَ العَيْن أن الليل يتحوَّل فيَعْقُبُهُ النهار، وأنَّ البذرة تستحيل إلى شجرةٍ؛ بل إلى حديقة وارفة (أليست الحَبَّةُ تُنبِت سَبْعَ سنابلَ، وفي كل سنبلة مائة حبة؟!!)، وكلّ ما في كتاب الكون يقول بسُنَّة التغيير ويُثبِتُه!

ويؤسفني أن كثيرًا من الناس لا يقتنعون بالتغيير، فهم يؤكدون ويردِّدون (جَبَل يزول، وطَبْع لا يَزول)!

وعن قناعة أرفض التعلُّق بهذه العبارة؛ لأنَّ كلَّ إنسان يحمل في جَوْفِهِ صفاتِ خيرٍ وصفاتِ شرّ، وهذا هو الميدان، ويشهد الواقع لأُناس عاشوا بيننا بَدَّل الله أحوالهم، وإن الله لا يُغيِّر ما بقوم حتى يغيِّروا ما بأنفسهم.

فيا نورةُ، وكلَّ نورة، في جَوْفِكِ جوهرة نادرة فاصْقُلِيها بتجديد إيمانِكِ، وبإدراكِ ما فيها من خير فاستَثْمِرِيه، وفتِّشي عمَّا فيها من سلبيات، قفي معها وتفكري في أسباب التخلُّص منها، وكما أنتِ صريحة مع الناس، كوني صريحةً مع نفسكِ.

حَسْبُكِ يا نورةُ أنَّ مُحمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - كان صريحًا في الحقّ؛ (فكان لا تأخذه في الحق لومةُ لائمٍ)، وكان (صادقًا لا تجري على لسانه الكِذْبَةُ أبدًا) بأبي وأمي، وقد كانت له مواقفُهُ الواضحة.

لكنه عندما كان (يُصرِّح) فإنه لا (يُجرِّح)، وكان (يعاتب) و(ينصح) دون أن (ينتقص)، و(يتسامح) دون أن (يَذِلَّ)، و(يَمْزَحُ) دون أن (يَصْخَب)، ولعلِّي أَدَعُكِ تعيشينَ مع بعض ما قاله علي بن أبي طالب - رضي الله عنه – ولِتقتدي، وكفى:
"كان - صلى الله عليه وسلم - أوسَعَ الناس صدرًا، وأصدقَ الناس لهجةً، وأَلْيَنَهم عَرِيكةً، وأكرمَهُم عِشْرة، وكان يتألَّف قلوبهم، ويُكرِم كريمهم، ويتفقَّدهم شؤونَهم، ويعطي كُلاًّ من جُلسائه نصيبَه من التكريم، حتى يَحْسَبُ جليسُهُ أنه ليس أحدٌ أكرَمَ عليه منه، مَن جالَسَه أو قاربه لحاجة صابَرَهُ حتى يكون هو المنصرفَ عنه، ومَن سأله حاجة لم يَرُدَّهُ إلاَّ بها، أو بميسورٍ منَ القول، قد وَسِعَ الناسَ بَسْطُه وخُلُقه، فصار لهم أبًا، وصاروا عنده في الحق سواء، دائم البِشْر، سهل الخُلُق، لَيِّن الجانب، ليس بفظٍّ ولا غليظ، ولا صخَّاب ولا فحَّاش، ولا عَيَّاب ولا مَدَّاح، يتغفَّل عما لا يُحِبّ، ولا يُقابِلُ أحدًا بما يَكرَه، إلا أنَّه في الحقِّ من أشدّ النَّاس غَيْرةً على حُرمات الله".


الساعة الآن 4:22 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2025, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By World 4Arab

Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi

جميع الآراء والتعليقات المطروحة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع وللأتصال بالدكتور فهد بن سعود العصيمي على الايميل التالي : fahd-osimy@hotmail.com