![]() |
سلسلة إبحار يراع - آخرُ يوم في حياتي -
سلسلة إبحار يراع - آخرُ يوم في حياتي - بدأ يومي على غير العادة والشمس في كبد السماء والزمن يشير إلى منتصف النهار ، وهاأنذا أرتدي أجمل الملبس وأنثر عليه قطراتٍ فوَّاحة من عطري المفضل ، وها هي زوجتي الحبيبة التي كثيراً ما جرحتُ شعورها ، وقسوتُ على مشاعرها الرقيقة ، أراها واقفة تكاد لا تحملها قدماها تودِّعني وداعاً حاراًَ كأنما هو الأخير ، ويكاد جفناها يسقطان الدمعات الندية وهي تحاول منعهما .. وهاهو طفلي الرضيع يتراقص بين ذراعيها وكأنه يريد مرافقتي ، وبسماته الرائعة تنطلق نحو قلبي المترقِّب لطعنات الفراق فتخفِّف من وطأتها ، وقد شارك في موكب التوديع ابني الأكبر الذي توهَّم أنه سيرافقني في رحلتي المرتقبة - لا أدري لماذا توهم هذا ؟ - ربما للطفي معه ، فلما تفاجأ بالأمر ، تسابقَت للخروج من عينيه الدموع ، وامتدت شفتاه وارتجفتا حزناً ، وما لبث الهدوء يلوح على مُحيَّاه بعد أن سألني عن هدية يرتقبها وقال لي : ( بابا ، جيب لي طيارة مروحية وكمان سيارة ) ، فكان مدخلاً لي لألبي طلبه وأمسح شعرات رأسه مما أرسل إلى أعماقي همسات طمأنينة وإشارات غامضة لسعتني بقسوة وقالت لي : (هل ستلقاهم مرةً أخرى ؟. ) . وأسرعت الخطى هروباً من رغبة دمعاتي في الهبوط إلى أرض المنزل ، وإذا بي أرى هذه الدمعات من مكان آخر ، من عينيْ ابتني الكبرى عند مدخل المنزل فقد فقدت في مدرستها هديةً من صديقتها في احتفال أقامته المعلمة لزميلاتها بعد عودتهنَّ من إجازة عيد الأضحى ، فمسحتُها وكأنما أمسحها عن خدِّي ، وقبَّلت رأسها قبلةً حارّة ، غادرت المنزل والكلُّ يُهديني النظرات الأخيرة . دلفتُ إلى المطار ، وصليت الظهر على أرضه ، وصعدت مركب السماء ، وأخذت أبحث عن رقم مقعدي ولمحت بين الأرقام الرقم ( 33 ) يا للهول إنه عُمري الآن وهو عُمُر أهل الجنة ، وعندما نظرت إلى بطاقة صعود الطائرة وجدت أن رقم مقعدي (44 ) فهل سيكون ؟ . ها هي إرشادات النجاة على الشاشة المقابلة ولكني تجاهلتها خوفاً من الشعور الذي ينتابني بأني سأحتاجها قريباً . وأقلعنا إلى الأعلى وصوت العجلات المُريب أضاف مزيداً من القلق إلى نفسي ، وحانت مني نظرةً إلى الأرض كما هو هذا الإنسان الطيني يحنُّ إلى أصله ، وإذا بي أرى المسجد المجاور لبيتنا ولم أرَ بيتنا ! فهل سأراه ثانية ؟. إذن لا مفر من النظر إلى مكان آخر ، فها هي الجبال الشاهقة المخيفة تبدو ذليلة ونحن نعلوها وقد كانت تعلونا ، فهل ستتبدل الموازين قريباً ؟ ومتى ستكون هذه اللحظة ؟. حاولت تجاهل مشاعر الحزن التي تنتابني بين الفينة والأخرى وأخذت أنظر إلى الأرجاء الفسيحة . عجباً ! حتى السُّحُب البيضاء التي يُبهرنا صفاؤُها حينما نرفع إليها الأعين من الأرض أصبحت أسفلنا بعد أن صعدنا إلى السماء فهل سنعود أم ..؟! ازداد بُعدنا عن أرضنا ، وأصبحنا نرى أصقاعاً شاسعة من المساحات الأرضية الدونية وأرتالاًَ صفراء من الرمال التي سيغطينا مساحة صغيرةً منها يوماً ما ، إذن سنهبط إلى الأرض ، ونتنفس هواء السماء من القاع الأرضي ، وما إن خالطنا البشر عليها حتى أتتنا بشائر بل مغريات الأرض : [ اللهم ارزق أحبتي فرحةً ما بعدها حزن ، وسعادةً ما بعدها شفاء ، ورزقاً ما بعده حاجة ، واجعل اللهم سنة ( 1429هـ ) بداية تحقيق أمانيهم وجلاء متاعبهم واجعلني اللهم في صميم قلبهم . رسالةٌ جديدة لسنةٍ جديدة ، وتُوحي بتأخُّر آخر يوم في حياتي ، فكم سيتأجل ؟؟ .. لا أعلم .. ولكن اللهمَّ بالخير فاختم . أحمد المهدلي |
اللهم آمــيــن ،، اللهم آمــيــن ،، اللهم آمــيــن بالخير فأختم ...
جزاك الله خير الجزاء قصة جميله ومذكره بااارك الله فيك وفي كاتبها .... |
الله يسلمك,,,
|
الساعة الآن 11:10 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2025, Jelsoft Enterprises Ltd.
TranZ By World 4Arab